عيسى طالب عيسى اعبيدو التميمي ولد في مدينة خليل الرحمن في الاول من شهر كانون الاول عام 1952 متزوج بعد التحرر ولي تسع بنات وولد واحد أسمه طالب ، يعمل ضابطاً خريج كلية بحرية من الباكستان. يقول: درست سنتان حقوق بجامعة بيروت العربية قبل الإعتقال، ولم اكمل بسبب أسري في الوطن المحتل، وامضيت في سجون الإحتلال عدة سنوات واطلق سراحي في صفقة تبادل الأسرى عام 1985 . عملت بعد تحرري بمركز ابحاث رابطة الجامعيين في الخليل لمدة ثماني سنوات في توثيق التراث والبحوث، بالخط واللون، وكذلك درست الفنون التشكيليه والخط العربي في رابطه الجامعيين ( المدرسة النموذجيه ) من 3 ابتدائي حتى صف الحادي عشر لمدة تسع سنوات. التحقق بقوات ال 17 أمن الرئاسة منذ تحريري عام 1985 بصفقه تبادل الاسرى، وأحلت للتقاعد عام 2008 برتبه مقدم. اسست مركز ثقافي للفنون التشكيليه وعملت مع رابطة الفنانين في مسرح الحكواتي بمعارض تشكيليه وعلى رأس تلك المعارض معرض أقيم في دار الطفل عام 1987 نلت في نهاية المعرض جائزة " يوم القدس العالمي للتراث الشعبي الفلسطيني " . ونلت ثلاث جوائز قيمه على ضوئها حصلت على عضوية رابطة الفنانين التشكيليين في 1/11/1987.

 

قبيل التحرر كنت حينها في مستشفى سجن الجنيد، وكان عدد من الاخوه يتحاورون مع ضابط الأمن وكان الجدل دائراً عن عملية التحرر، استيقظت على جدلهم وكنا في مرحلة إضراب عن الطعام وطلبت من الاخوه عدم محاوره السجانين وعدم الدخول في اي حوار، ووقف الجدل البيزنطي الذي ليس له آخر، فقال الضابط دعكم منه فهذا متعصب، فقلت له دعك من الشباب ودعك من سمومك، فقال انت مش رايح تروح وسترى، فقلت له سوف اخرج رغم انفك وانف دوله اسرائيل. لم اقل ذلك من فراغ، فقد وصلتني رساله من ابو جهاد رحمه الله بانني سوف اكون في اول دفعه، وستكون قريبه ووصلني تأكيد من ابو شاكر النتشه كذلك، كانت معنوياتي فوق الريح وواثق من ذلك، وهذه اول مره ينتابني شعور بأن عملية تبادل للاسرى باتت وشيكة، وسوف اكون حراً طليقا قريباً، فقال لي الضابط سترى اذا حصلت عملية تبادل لن تكون منها، واجزم على ذلك وسترى، قلت له رغم انفك وانف دولتك ... فقال لما ينور الملح .. قلت له سينور الملح وسترى.. بعد عدة ايام طلبت مع من سيفرج عنهم، وكان هذا الضابط من المشرفين على نقلنا لقسم الذين سيفرج عنهم، وحينما جاء دوري دعا مسلم الدوده وقال هذا عليه انه يرجع، وجاء ضابط آخر ومعه سجلات، قال له بل معهم. واخيراً دخلت للقسم الذين سيفرج عنهم رغم زعم الضابط ان على اسمه مشطوب. لم اكترث لذلك وبقينا عدة أيام، لمحت ان الاخوه في حيص بيص ينظرون الي بطرف اعينهم بحزن " كنت أسالهم مالكم شو في، وينفون اي شي فجائني عزمي الاطرش فقال هناك شخص على حرف العين سيرجع للأقسام.ولكني تحررت مع اخواني المحررين رغم انف المحتل.

شاركت لوحاتي في المعارض التي كانت تقام في جامعات الارض المحتلة قبل تحرري، وكانت لوحاتي تنوب عني في عالم الحريه، كما شاركت في معظم معارض يوم الاسير في معرض جامعة النجاح وبير زيت وجامعة الخليل، وللأسف صادر الاحتلال معظم تلك اللوحات. بعد تحرري وجدت بعض تلك اللوحات في بيوت بعض الاخوه، كنت اعدّها مصادرة من الاحتلال، وواجهت مصاعب كبيره لاستعادتها، وكان الكثير منهم يعتبرها ملك شخصي بدون اي مسوغ.

في الاسر، افلحت بعمل العديد من دورات للفن التشكيلي والخط العربي .. محمد البروتي أحد الفنانين اللامعين الذي اضاع موهبته في مشاغل العمل الوظيفي والكمبيوتر.
رسمت في مجلات التنظيم التي كنت مشرف عليها لفتره لا بأس بها، خصوصاً مجله فجر العاصفه وحصاد العاصفه.

منذ عام 1975 حتى تحريري كنت افوز بانتخابات التنظيم وهذا اعظم وسام استحقيته باللجنه المركزيه لحركة فتح. عملت مع المرحوم رمضان البطه ويونس جدوع ومحمد حسان وابو لطفي وخليل ابو زياد، عملت بجهاز الامن لفتره طويله " الرصد " واستطعت اكتشاف أغرب واعظم وأقذر عميل " م ابو ص من بيت لحم ، وشبكه ابو حسني، من قطاع غزه، التي تم اكتشاف مخططاتها، وموجهاً لقسم " أ". عملت مع الاخوه لتثبيت الوضع التنظيمي، وكان افضل موقع في الالتزام التنظيمي بعد ان كان وضع لا سيطره للتنظيم عليه.
واصلت العمل الفني خارج "الاسر " بعد التحرر، فقد شاركت لوحاتي خارج الوطن في العديد من المعارض في العالم، واهمها معرض عام 1977 في موسكو وعرضت لوحه القبعه الامبرياليه مع العديد من اللوحات كما شاركت لوحاتي في الصين يوم الشعب الفلسطيني وعرضت في اليابان لوحه القدس في ساحة شنمهاي عشرات المؤيدين يحملون لوحتي " لوحة القدس" تلك اللوحه اجمل ما رسم للقدس هكذا اعتبرها النقاد بل قدمت على لوحات اسماعيل شموط والعديد من الفنانين.
ورد اسمي في الموسوعه العالميه " واورد الفنان الكبير اسماعيل شموط في كتابه الفن التشكيلي في فلسطين سلط الاضواء على اسلوبي واورد لوحتي القدس والقبه الامبرياليه في كتابه.
دعيت للتكريم من قبل الرئيس الشهيد صدام حسين رئيس العراق وحظيت بترحاب وتكريم وكرمت بساعه ذهبيه وجائزه نقديه قيمه واسبوع في رحاب العراق العظيم.
في عام 2014 اسست نقابه الفنانين التشكيليين الحرفيين، وانتخبت رئيساً للنقابه باشراف وزارة العمل وممثلاً عنها، وهذه اول نقابه في الوطن للدفاع عن الفنان التشكيلي الفلسطيني ولحثه على العطاء للتراث وتطوير الصناعات الحرفيه.

أما عن مرحلة الاعتقال فقد كنت وزميلي يسري مسك متجهين الى القدس في باص عربي فوقع خطاً ادى الى انفجار ومن ثم جرحت وكل من في الباص، وكان اكثرهم من غير العرب الذين استغلوا الباص اثناء مرورة في حدود القدس الغربية، في البداية شعرت انني فارقت الحياه، وبعد انقشاع الغبار السميك وبعد برهه ليست طويلة شعرت باطرافي وطنين شديد يتسرب لاذناي، حاولت النهوض فلم استطع، واخيراًغالبت على نفسي واذا بي اجد منظراً مهولاً يعلوا على وجوه واطراف من في الباص، طبقه سميكه من السكن وأصوات وآهات الجرحى تتعالى. حاولت مساعدة زميلي بالنهوض فلم يفلح، واخيراً نزلنا من الباص وفتحه كبيره في سقفه وحفره في ارضيته، والمكان الذي حصل فيه الانفجار كان بجانب جوره العناب قبل باب الخليل في القدس، شعرت بأن دماء ساخنه منهمره من ذقني وبه فتحه كبيره ويرشح من صدري، ولكن جروحي ليست كبيرة، بل سطحية، الا أن زميلي لايكاد يمشي وسحبته لمغادرة المكان قبل قدوم قوات الجيش الإسرائيلي التي كانت على اسوار باب الخليل، وسمعنا صراخ إحدى النسوه من مصدر الحدث يبدو انها قذفت الى الخارج ". لاحظ زميلي بأن الدماء تتدفق من وجهي نحو صدري، ولم اشعر باي ألم يذكر سوى منظر الدم المتدفق الذي حول قميصي الابيض للون الاحمر، حدثت زميلي الا يفارقني ونقدمته، حاول مفارقتي الى خارج القدس، فقلت له من الخطأ التوجه لخارج القدس وعلينا الاندماج مع الناس، الا انه لم يأخذ برأي، وشعرت بخطواته تفارقني رغم الزحام حاولت العثورعليه الاأنه توارى ولم اجد له أثر، الا انني شعرت بمسؤوليتي نحوه فحاولت العثور عليه واللحاق به لتوجيهه الى الاتجاه الاصح، فلم افلح. واخيراً اتجهت نحو حارة النصارى التي لم ادخلها من قبل، وشعرت بدوار أغمي علي من كثرة الدماء التي فقدتها، ويبدوأن تلك الفتره وجيزه وصحوت واذا بوجوه عديدة تحيط بي كلهم يحاولون مساعدتي، تنبهت لعجوز مسيحيه تنزع منديلها الصغير يعلوا رأسها الاشيب وتربط مكان الجرح الذي كان بيدي اليمنى تحاول ايقافه. وبالفعل توقف النزيف وطلبت الخروج الى خارج السور. ونبهوني الى باب صغير يؤدي الى خارج السور. فتحت الراديو الصغير الذي كان بحوزتي على اذاعه العدو اخبار ال 12:30 اذيع الحدث اول النشرة واعلنت سلطات الاحتلال القاء القبض على زميلي يسري خارج القدس، وهم بصدد القاء القبض على المخرب الفار ويقصدونني .. واخيرا افلحت بالخروج نحو جبال الخليل مشبا على الاقدام .. وبذلك ابتدأت فترة معانيات لا تحصى بسبب خوفي من بطش سلطات الاحتلال. .. وجدت النفو مني من اقرب الناس لي. تفهمت ذلك وكانت قناعتي الا احرج احدا، ما كان يزعجني المبالغه في الخوف من القريب قبل البعيد. اخذت بنصيحة احد المدربين اللذين اشرفوا على تدريبي .. اذا اردت ان تتخفى فعليك الا تتخفى، وهذه الحكمة ساعدتني كثيراً، حصلت العديد من المفارقات المدهشه التي لا رالت محفورة في صميم ذاكرتي بانني كنت احظى برعاية رب العالمين، سوف اورد بعضها لتاكيد رعاية رب العالمين .. "وان كل نفس لما عليها حافظ" صدق الله العظيم .. كان الجو ماطرا والرياح عاتيه والرعد والبرق وانهمار البرد الذي لم اجد له مثيل في حياتي تقارب بيضه الحمام منهمرة فوق راسي تنبه احد الاقارب وهو عمي شقيق والدي أ فقال "وين جاي بدك تخرب بيتي "!!

غضبت وعتبت عليه منكراً انني قادم للاحتماء به. قال عمي المذعور، اليهود كل يوم يفتشوا هون " ابعد عني وحل عني " هذه الكلمات بقدر ما هي مؤلمه بقدر ما وجدت فيها بعد من مصداقيه .. بعد ان ابتعدت عن عمي المذعور لمسافه ليست بالكبيرة، دخلت مغارة اعرفها للاحتماء من زخات البرد المؤلمه والرياح العاتيه. كان الكهف ليس عميقا الا انه يحمي بعض من زخات البرد القاسية، ولم اكد اجلس في الكهف غلبني النعاس فاستيقظت على زخات جديدة ورياح عاتيه التي كانت تدخل للكهف بصفعات حادة، واذا بنفسي تراودني ترك هذا الكهف وبالسرعه القصوى وسرعان ما اطرد هذا الخيار لانعدام الاماكن او لجهلي بمعرفة كهوف اخرى، وعاودني الهاتف الداخلي الذي يحثي على ترك المكان وفورا .. واخيرا استسلمت لهذا النداء الخفي وتوجهت الى بيت ندعوه "بالسيرة" شبه مهدمه، وجدت المكان دافىء بابه شرفي وبه اقواس دافئه يوجد بها وبارضيتها تبن وبردعة حمار وحرام قديم .. كم كان رائعاً .. ولم اجد نفسي الا في سبات عميق. بعد ان شعرت بتسلل خيوط النهار تتسلل للظلمه .. وضعت يدي نحو جيبي لبكيت الدخان فلم اجده .. وايقنت حينها انني نسيت علبة الدخان في الكهف الذي تركته .. كنت شغوفاً بالتدخين، فقررت استرجاعه واثناء توجهي نحو الكهف لا حظت على الارض اثار خطوات احذية جنود واضحة لم تفلح الامطار من ازالتها، انها جديدة "

لعل خطواتهم حصلت للتو .. جعلني اتوقف قليلا لكي استطلع ما يحيط بالمكان .. كنت على راس الجبل بامكاني ان اتحقق بكل ما يدب على كل المنطقه والجبل المقابل .. سمعت صوت تلفون لاسلكي "مخشير " لا حظت سلسلة من الجنود تقدر بثمانين جنديا صاعدين نحو الجبل المقابل، وعلمت انهم مروا من المكان الذي كنت متواجدا فيه واستبعدوا ان اكون فيه لو التفت احدهم خلفه لسوف يراني، الا ان رغبتي في التدخين رجحت بالمواصله نحو الكهف الصغير الذي كنت فيه في الساعات الاولى من الليل ..وعندما وصلته وجدت اعدادا كبيرة من اثار الاقدام تلف المكان وعندما دخلته فلم اجد به شيء .. علبة السجائر وكذلك بقايا الطعام الذي تركت .. فعزمت على ترك المكان برمته والاتجاه للجنوب لعله اكثر امانا .. وبالفعل توجهت الى منطقة وادي القاضي، وكان صباحا مشمسا وانقشعت الغيوم وحللت بالقرب من بيت قديم مبني بحجارة بلا طينه "السيرة " استلقيت على ارضيتها مفروشه بالنخيل السميك الدافىء، وكلما سمعت عربه عن بعد عدة كيلوات اتوارى في السيرة .. وجدت شيء جلل يؤكد انني في رعاية رب الارباب. كنت مستلقيا ولا تفصلني عن الشارع الا عدة امتار فاذا بسيارة جيب عسكرية تتوقف ويتطلعون نحوي، ثبت نفسي تاليا سورا من القران ألحفظها واشحت نظراتي الى الجهة المعاكسة لاظهر عدم اكتراثي بنظراتهم.

وازيد عدم اكتراثي بهم قمت بخلع معطفي متوجها للقبله للصلاة بالرغم انني كبحت رغبتي بالهرب، الا انني كنت في متناول فوهات بنادقهم، وليس لي الا استخدام عدم الاكتراث بهم .. واثناء الصلاة كنت ذهنيا اترقب قدومهم لاعتقالي الا ان الرعاية الالهيه جعلت بيني وبينهم سدا ولم يهتدوا الي بالرغم من انني في متناولهم .. فعادت سيارة الجيب عائدة من حيث اتت. يبدوا ان السيارة قدمت ولم اسمع لعجلاتها فنزل الجيب نزول دون أن يحدث صوتاً، فحمدت الله شاكراً، وهذه المكرمة الثانيه من رب العالمين .

يوم اسري كان يوما فارقا توجهت للبيت بعد انقطاع طويل، اشتقت لوالدي واخواني واكل البيت والمكان الذي تركته اصبح كما يقول حزيناً. قدمت للبيت من طريق ملتوي سر والدي لقدومي عانقني عناقا كاد يكتم انفاسي مقبلا وجهي يشم ملابسي، يسال عشرين سؤالا في البرهه الواحدة، معاتبا لي على سريتي وكتمان نشاطي النضالي قائلا، انسيت ان ابوك في شبابه كان من (الثوار ) ؟ اذقنا البريطانيين وعجزناهم .. قدم للبيت احد الاشخاص وهو احد معارفي سائلا الاهل عني فحذرتهم ان يبوحوا بوجودي في البيت. علمت فيما بعد ان هذا الرجل عليه علامات استفهام وليس مامون .. قررت ترك البيت على عجل مودعاً والدي وشقيقاي الصغيران .. وعندما هممت بالخروج فاذا بخالتي الحاجة وزوجة والدي تدخل البيت معانقة لي، قائلة لي الله يحفظك تاليه ايات من القران الكريم لكي يحفظني، واخرجت شيء من صدرها هذا حافظت عليه ولا أعطيه لاحد غيرك .. فعلمت انه ما يقال له حجاب، فرفضت ان يعلق في رقبتي بانه نوع من الاشراك الصريح .. ضعفت من الحاحها الشديد واصرت ان تعلقه في رقبتي .. تركت البيت مسرعا ولم المس اي تحرك لقوات الاحتلال .. لحق بي شقيقي فرج حاملا صرة صغيرة بها بعض المؤكولات، فصرخت عليه ان لا يتبعني والعوده للبيت وبما يحمل، ايقنت ان لا احد من الاهل يتبعني فقصدت طريقا معاكسا .. ذهبت الى مكتب العمل وكان اليوم الذي قصدته الخميس لا يستقبل العمال فدلفت اليه من السور الخلفي .. فصعق مدير المكتب لتوجهي نحوه، ليتطلع بنظرات مذعورة فبادرته بطلب كرت العمل الذي يخصني، فرفض قائلا قيل لي انك هارب من السجن وانا لا اقدر اقدر ان اساعدك والكرت ممنوع. حاورته بعض الشيء فسحبت مسدسي نحوه، فقال بعرضك انا بتحمل المسؤوليه. فاتني ان افصل سلك التلفون، وتركت المكان بسرعه كبيرة واذا بسيارة الجيب تستولي على الباص الذي بقربي، فدخلت احدى الممرات لاحد المجاورين سكتت قليلاً واستطلعت المكان، فاذا بسيارة الجيب لا زالت تفتش من في الباص، فقررت القفز الى الشارع لكي اتجه الى الجهة المعاكسه .. واثناء ذلك تصادف سيارة دورية كبيرة قادمه للمكان، حيث قفز الجنود التي تقلهم صانعين طوق كبير نحوي مشيرين باسلحتهم نحوي .

نادوا باعلى اصواتهم وطلب قائد الدوريه القاء سلاحي، ولم يكن معي غير سلاحي الشخصي. تقدم جنديان فوضع احدهم حبلا حول معصمي من الخلف، فقال قائد الدورية، واخيرا تم القاء القبض عليك. كم فتشت ولم نجد لك اثر في القدس او الخليل .. علمت من الاهل فيما بعد ان قوات الاحتلال داهمت الكثير من بيوت عائله اعبيدوا وابو نجمه خلال فترة المطاردة التي كانت لمدة ثلاثة اشهر، رأيت الكثير من المصاعب ولاسيما ان مطاردتي لوحدي .. كنت بانتظار دوريه قادمه من الاردن لكي اقودها، الا ان افرادها قد اشتبكوا مع قوات الاحتلال على نهر الاردن ورجع بقيتهم الى الاردن

جل التحقق كان في مقاطعة الخليل، والتي يدعوها الاسرى بالملحمة، حيث ينقل الاسرى الصعاب عليها ويمارس في الملحمة البطش الصهيوني بكافة اشكاله، الشبح والضرب على المحاشم , والتعذيب النفسي واسماع اصوات التعذيب واصوات تكاد تختنق وموسيقى صاخبة لا تدع مجالاً للنوم، وارسال بعض العملاء لاستجلاب ما يستعصى على المحققين بحجة أن هؤلاء سيتركون السجن وسيفرج عنهم بان اذا كان كانت لديه اسلحة ان يتم استغلالها بعده والعمل على احفائها في مكان اخر .. الحرمان من النوم لايام متعددة مقابل الاعتراف وتستريح على حد قولهم (المحققين ). ومن الوسائل الحاقدة، اشاعة ان ابنهم سيفرج عنه من سجن نابلس، فيحضر الاهل من الخليل عدة سيارات ويعودون بخيبة من امرهم. وتتعدد الاشاعات في كل مرة يتلاعبون بعواطف الاهل وشوقهم للافراج عن ابنهم وحصل ذلك مع الاهل ما يزيد عن عشرين مرة .

ومن ذكريات السجن في قسم "ا" في سجن بئر السبع كان الوضع التنظيمي سنوات 74 و 1975 كلفت بتوجيه قسم "ا" بعد أن غادرنا الاخ وليد مويسى رئيس بلدية جنين حاليا .. كان الوضع جد صعب، والموقع الوحيد الذي يعمل به الاسرى، وضعت خطة بالتعاون مع التنظيم بايقاف العمل في مرافق السجن التي كانت تشمل النجارة والزراعة والخياطة .. عملت يومان في النجارة فقمت مع زملائي في العمل بتحطيم اعداد كبيرة من الطناديق، شاركني في ذلك عدد من الاخوة امتال محمد ابو جديان، أصبح قيادي كبير فيما بعد، وغيرهم ..وكان ذلك رداً على مقابلة لموشي ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي قال فيها، بان الايادي المخربة جعلنا منها ايادي تبني الاقتصاد الاسرائيلي. وعملنا في اثناء العمل على نشر عدد من عناصر الرصد لمعرفة ما يجري خارج غرف الاعتقال، وكان من انشط الاسرى الذين عملوا في الرصد الاخ مكاريوس، وأثناء التحقيق مع أحد العملاء ذكر اسماء العملاء الذين يعملون معه، فاشار الى مكاريوس، وكان هدفه خلط الاوراق والعمل على الاساءة للمناضلين باختلاقات كاذبه، للاسف هذا الموضوع انطلى على بعض القيادات وصدق بان مكاريوس عميل، حاولت الدفاع عنه بان هذه محاوله خبيثة من العدو لتضليلنا ولم افلح، وطلب مني ان احقق مع مكاريوس فرفضت وهددت بالاستقالة من فتح اذا تم ذلك، واخضع للتحقيق فالرجل بريء فهو مناضل مميز واتبع معه اشد وسائل التحقيق، واخيرا ثبتت برائته واعتذار التنظيم لهذا الرجل الشهيد فيما بعد.

فترة اعتقالي يقول الشهيد مكاريوس قاربت على الانتهاء وسترون مكاريوس على حقيقته وبعد وداع وحزن ودموع توالت علينا اخباره بعد تحرره بفترة وجيزة، كانت عملياته ليليه في قطاع غزة وأخبار مجموعات مكاريوس تتصدر الاخبار اليوميه .. واخيرا استطاع العدو اصطياده بعبوه مفخخه احالت جسده الطاهر الى اشلاء. رحم الله مكاريوس وجمعنا معه في جنات الخلد امين ".


اكتشاف اقذر عميل مر على الحركه الاسيرة "المدعو م ابو ص
دلف لغرفة "ا" شاب وسيم يحمل برشه، سلم عليه الشباب ووضع برشه بجانبي مكان احد الاخوة الذي رحل الى احد السجون .. بدا ايامه بنشاط مميز.


شاب رغم صغر سنه ولد "متفائل "يلعب رياضه صباحاً ويعود لكتبه للقراءة بشغف، مجامل متمرس نال اعجابي واعجاب الاخرين. كانت عرفتنا الطويلة واسعة ليكون بها مسرح صغير وبالفعل عملنا عدة مسرحيات هادفة ومبارزات شعرية وجلسات تحليل سياسي .. عبرت لجاري الجديد عن اعجابي بنشاطه وتنظيم وقته للاستفادة، سيما وانه في مقتبل العمر، واقترحت عليه الانضمام لدورة اللغة الانجليزية او العبرية، قراءة وكتابة، فاستحسن الفكرة، وبدوره اعجب بدوري في المسرحيه وكنت براقا مقنعا متمرسا لدوري جيدا .. وسالته ماذا هل تلخص ما في الكتاب، قال بل اكتب مسرحيات قلت هذا جيد وقلت تحاشى الاسماء الحقيقية والجأ للرموز. فتغير لونه وبدا مسودا يصب من وجهه العرق. فعللت ذلك بان كلامي احرجه واصبح يتحاشى نظراتي، وطلب من موجه الغرفة النقل لمكان اخر .. وهذا التصرف لا يصدر الا اذا حصل امر ما او اختلاف بين الجارين وكان ذلك محرج لي .. فعللت ذلك بان الشاب حر فيما يفعل .. ولمست انه يتحاشى نظراتي اكثر، واذا مر بجانبي لا يرد السلام .. حاولت نسيان هذا الحدث. لاحظت أنه يحاول توطيد علاقته مع بعض الشباب الذين لهم مشاكل مع التنظيم، ويحاول استكشاف وحرق عناصر الرصد في الغرفة. وحدثت المفاجاة بعد اطفاء النور الساعه العاشرة مساء فاذا بالضابط الهندي المناوب يصرخ محتجاً لان احد الاسرى قذفه بزباله كما يدعي، فسالته عن صحة قوله فناولني مجموعه من الاوراق بها كبسولة، ففتحتها واذا بها تحتوي عناصر الرصد في الغرفه واورد اسمي كوني منسقا للرصد، ويشير علي بانني عنصر خطر ويطلب الانتقال لغرفه اخرى او سجن اخر .. واشار للوضع التنظيمي الحديدي في الغرفه والنشاط اليومي والمشاورات بخصوص مرحلة اضراب جديدة .. ولما درست ملامح الحظ تذكرت جاري الجديد حينما لمحت مسرحياته المزعومه، تلك التي نصحته ان تكون اسماء غير حقيقية. بعد ذلك جاءت مجموعه رسائل له قارنت الورقة بالرسالة فوجدت تطابقا عظيما. فارسلت للموجه العام الذي كان آنذاك يونس جدوع، فلم يصدق. وقال، مش معقول تتهم شاب وسيم ظريف ان يكون هكذا، فقلت انا متاكد مما اقول والامر لك .. وكانت انذاك العصبيه المناطقيه في اوجها .. المدعو "م" طلبته المخابرات للتحقيق ثانية، وغاب ثلاثة اشهر .. استخدمته المخابرات للتحقيق مع الشباب في الزنازين. والقادمين لسجن بئر السبع ذكروا اوصافه .. اضطررت لوضع الملامح حسب ذكر الاخوة وتكونت صورته لدي وقدمت ذلك للاخوة في المركزيه .. زميلنا الموجه العام استهجن هذا الطرح واعتبره شطحة من الخيال الفني .. رجع المدعو الى سجن بئر السبع ليس الى قسمنا وانما لقسم 6,5 حسب طلبه، فتكررت ملاحظات الشباب عليه وقذف بكبسوله لوجه الشرطي الذي اكد الحدث الذي حصل وبكبسوله مشابهه مما استدعى للتحقيق معه وتاكدت كل ملاحظاتي نحو هذا العميل القذر.

وثبت ان هذا العميل الظريف قدم لعندنا في سجن بئر السبع لاثبات جدارته، وهو عبارة عن دورة عماله رغم تحذيرات قوات الاحتلال بان سجن السبع موقع خطر، واقترحوا عليه سجون فرعيه مثل طولكرم او نابلس إلا انه اصر ان يثبت جدارته في سجن السبع، ولديه من الثقه بالنفس سيما انه اثبت جدارته مع المحققين السوريين حينما شكوا بامره فصمد .. واستهداف هذا العميل الظريف"القذر" لديه الكثير من الصمود والجلد .. لقد اتبع معه الزملاء اشهر الاساليب، ولم يفلحوا معه، واخيرا اتبعنا معه اسلوب الملاينه .. هذا العميل اقترح على المخابرات ملاحقة المناضلين في لبنان فوضع عبوتان في بيروت فقتل ضابطين فلسطينيين وفي سوريا اعترف على ارتباط طيار سوري، وبعثنا باسمه للسوريين وثبت صحة ما نقول وقام السوريين بالتحقيق مع هذا الطيار وتم اعترافه ..وقد حاول الهروب اكثر من مرة وتنبه له شاب واحبطوا مسعاه، ضرب معصميه بشفرات لكي يرغمنا ان نرسله للعيادة ووضعنا لمعصميه (كرب باندج) نوع من اللزيق الطبي .. سال مرارا تريدون اعدامي، فقلنا له ابو عمار حذرنا من ذلك، وليس لدينا ايه تعليمات. وذكرنا له أن ايه محاوله للهرب كفليه لاعدامه .. قدم للقسم المدعو ابو فراج وهو ضابط درزي، وطلب " م " وعميل آخر، وهم بفتح الابواب واقتحام القسم فوقف الشباب مشهرين سكاكينهم مهددين بأنه في حال الاقتحام ستحدث مجزرة، وتم محاكمه العميلين بعد اعترافهما وتم اعدامهما.

أثرت تلك الاحداث على جبهتنا الداخلية، فأصبح سجن بئر السبع قلعه عصية على العدو، ويسودها تماسك والتزام حديدي بالمبادىء، دفعت الضباط والسجانين يتحدثون معنا اقرب للتوسل، وبكثير من الاحترام. دفعت مدير السجن انذاك بحديثه في صحيفة معاريف ان يقول، رجال فتح رجال بمعنى الكلمة لا يستطيع المرء الا ان يقدرهم، مكتنزون شرف وكبريا معتزون بانتمائهم اجد انهم رجال حريه وعسكريون مهذبون. حينما قدم لزيارتنا كاالعادة يوم السبت شكرناه على ما تحدث به في معاريف، قال ذلك باستغراب كيف عرفتم ذلك، قلنا السنا رجال حريه ؟ قال قلتها بقناعتي ومشددا على انه سنجلس يوما لانهاء هذا النزاع واحلم بالسلام كما تحلمون.

الشيىء بالشىء يقال .. هناك فترات ووقائع تلتمع صاعدة للاعلى ومن رحم الصعاب لتكون لوحه مشرقه ووسام استحقاق على صدر الزمن ..

قدم لمرسم الاطفال عدد من الاطفال يرسمون بشغف ما يعشقونه، يوما كان ذلك في اوآحر الانتفاضه الاولى .. وتصادف مع قدوم ضيف فرنسي لمركز الفنون التشكيلية، الذي اديره وفي منطقة الحرس مدخل مدينة الخليل .. تجول الزائرون بين الاطفال وكانت تصل لمسمعي عبارات اعجابهم .. واذا بهم يتوجهون لساحة المركز التي تطل على مسرح الاشتباك بين الجيش ورجال الانتفاضة بين كر وفر .. فابتعدوا عن الانظار عاد الوفد الزائر فوجدوا الاطفال هادئون يرسمون بشغف وحماس منقطع النظير .. قال رئيس الوفد القنصل الثقافي الفرنسي "انكم شعب حضاري عظيم تصنعون الحضارة حتى في زمن الموت " وهذا القول وسام شرف يستحقه اطفال شعبنا العظيم.

قدم لمعتقل بئر السبع عدد من الطيارين لزنازين قسم "7" والى زنزانة 7 التى كنت اشغلها وكان ذلك بسبب حكم صدر من محكمة زنازين السبع لضربي ضابط يدعى ميمون .. لمست لن هناك تجمع على باب زنزانتي وكان يشغلها معي الاخ زعلول، سالوه من الذي احضر لكم هذه الصورة ؟ قال لهم زعلون هذه لوحة يرسمها زميل معي وهو الان في الحمام ..وهل هذه لوحة .. صحيح هذا برج هذا السجن وتلك المبنى المجاور مش معقول مخربون عرب فنانون !! بادروني اانت رسام من اين انت .. من حبرون ومن حبرون ؟؟

قلت لهم لقد سمعت حواركم مع زميلي .. انا عربي فلسطيني بنينا حضارة شملت العالم باسره، وهذه لوحتي وفراشي وانا من حبرون وكذلك من الحارة التحتا، تركوني وهم يكتمون شعورهم غيظا وحقداً. عادوا ثانية يصورون ويجرون حديثا لينا واعتذر احدهم عن ما بدر من احد زملائهم وهو طيار حاقد .. سائلين اسئلة اين تعلمت الرسم .. لوحدي لم اتلق اي دورة للرسم.

دعاني مدير التربيه والتعليم في الخليل السيد محمد عمران القواسي واقترح علي دورة للمعلمين والمعلمات، وبالفعل عقدت الدورة المقترحه للخط العربي رقعة. لقد علمت الفن التشكيلي وعلمت الخط العربي للمعلمين ولم يعلمني احد غي ربي " حملنا البندقيه بشرف وريشه الفن بالتزام " قلمي يكاد ينفذ وعيناي تذبلان .. ورسمت ما يمليه علي قلبي وبعد دورة الخط العربي اهداني شفيق الرجبي "الشاعر" 52 بيت شعر وحينما استدعاني من التربيه لاعطائي شهادة التقدير مازحا اول مرة اجد طالبا يتغزل باستاذه وهذا ما فعله شفيق .. رقعه من الشعر 52 بيت رقعه اشبه بالجلد مع فائق تحياتي اخوكم "عيسى اعبيدوا " 25 .5. 2015 .