ولد الأسير المحرر فؤاد روحي سعيد صوفان في الثامن من أيار عام 1981 في مدينة نابلس. طاردته قوات الاحتلال حتى أصابته بالرصاص الحي في قدمه اليمنى، واستمرت في مطاردته مدة أربع سنوات حتى اعتقل في الثامن عشر من تشرين الأول عام 2006، حُكم عليه بالسجن الفعلي مدة تسع سنوات بالإضافة إلى خمس سنوات مع وقف التنفيذ، وأُفرج عنه في الخامس عشر من تشرين الأول عام 2015 بعد أن قضى كامل مدة حكمه في سجون الاحتلال. يروي الأسير المحرر فؤاد صوفان لمركز أبو جهاد أبرز المحطات في مسيرته النضالية والاعتقالية.

تسكن عائلتي في حارة القريون في البلدة القديمة بمدينة نابلس، وقد تلقيت تعليمي في مدرسة ابن الهيثم. بدأت قوات الاحتلال بمطاردتي عام 2003 واستمرت المطاردة مدة أربع سنوات، وخلال فترة مطاردتي تعرضت لإصابة بالرصاص الحي في قدمي اليمنى، وخلال هذه الفترة أيضًا استشهدت زوجة أبي السيدة امتياز صوفان ، وقد كانت بمثابة أمي فقد قامت بتربيتي بعد وفاة والدتي التي توفيت وأنا بعمر أربع سنوات.

خلال فترة مطاردتي أيضًا تم اعتقال أبي روحي صوفان بهدف الضغط علي وتسليم نفسي إلى الجيش الإسرائيلي، كما كان أخي الأكبر كمال معتقلًا خلال تلك الفترة وبقي في السجن مدة سبع سنوات، وكان قد تعرض قبل اعتقاله إلى إصابتين بالرصاص الحي في ساقيه. اقتحمت قوات الاحتلال منزلنا عدة مرات، وكانوا يقومون بالتخريب في المنزل وهدم بعض واجهات الغرف. وفي الثامن عشر من تشرين الأول عام 2006، الموافق للسابع والعشرين من شهر رمضان، وأثناء وجودي في أحد المنازل في الجبل الشمالي في نابلس، تم محاصرة المنزل الذي كنت موجودًا فيه، وقد كان في بناية سكنية. استمرت المحاصرة مدة ثماني ساعات حيث تم إخلاء البناية بالكامل من سكانها، وبقيت أنا واثنان من رفاقي في البناية، لم يكونا من المطلوبين، لذا طلبت منهما تسليم نفسيهما وبقيت أنا في المكان.

هربت بعد ذلك من المنزل وحاولت الخروج من المكان، وأثناء خروجي فؤجئت بجنود الاحتلال يحاصرون العمارة من كافة الاتجاهات، قاموا بإطلاق النار بشكل عشوائي محاولين قتلي فرجعت إلى المنزل مرة أخرى. نظرت من النافذة فوجدت أفراد أسرتي موجودين في الشارع، كانوا يبكون بل كانوا منهارين بشكل كامل، وكانت الطواقم الصحفية موجودة في المكان وكذلك طواقم الصليب الأحمر.

قام جنود الاحتلال بإرسال مالكة المنزل وأفراد من الصليب الأحمر لإخباري بأنهم سوف يقومون بهدم المنزل إن لم أقم بالخروج منه وبتسليم نفسي، وكان جنود الاحتلال يطلبون مني عبر مكبرات الصوت تسليم نفسي قبل هدم البناية وأنا فيها، فقررت الخروج وتسليم نفسي لأنني لم أستطع تحمل رؤية أفراد أسرتي وهم منهارون أمامي بهذا الشكل، وكي لا أتسبب كذلك بالضرر لسكان البناية وبذلك كان لا مفر من تسليم نفسي. جاءت مالكة المنزل وكانت منهارة وخائفة على حياتي فقررت تسليم نفسي وخرجت من المنزل، وكان لدي شعور بأنني سوف أستشهد في أية لحظة. أصرّت السيدة مالكة المنزل الذي كنت موجودًا فيه، المناضلة البطلة أم إيهاب قرقش أن تكون أمامي حماية لي، فسلمت نفسي وفي هذه الأثناء طلب الجنود من السيدة أم إيهاب الابتعاد عني وطلبوا مني التخلص من ملابسي باستثناء الملابس الداخلية، وطلبوا أن أستدير وأن أتقدم نحوهم ببطئ.

عندما وصلت إلى الضابط قال لي "أهلا وسهلا بفؤاد.. كانت مهمتي هي اغتيالك إن لم أستطع اعتقالك". وكان قد استشهد اثنان من أصدقائي وهما أمين لبادة وإيهاب أبو صالحة رحمهما الله. كان اسم الضابط "عاصف"، وقد قام بتقييد يدي وبتعصيب عيناي. تم التحقيق معي ميدانيًا في بيت مجاور للبيت الذي كنت موجودًا فيه، وجاء ثلاثة ضباط إسرائيليين لم أعرف أسمائهم واقتادوني إلى مركز تحقيق بيتاح تكفا، وأثناء التحقيق تم توجيه عدة اتهامات لي من بينها إطلاق النار على جنود الاحتلال، وتصنيع المتفجرات، وتجهيز استشهاديين.

استمر التحقيق معي مدة ثلاثة وستين يومًا، وكانت أسماء ضباط التحقيق هي "هيرتسل" و"جوني" و"دودو" و"جيمي". وقد شارك في التحقيق معي خمسة ضباط آخرين لم أعرف أسمائهم. تعرضت أثناء التحقيق لعنف جسدي ولفظي ونفسي، إضافة إلى أسلوب الضعط علي بتوجيه الشتائم الجنسية بحق أفراد عائلتي. بعد التحقيق معي في بيتاح تكفا نقلوني إلى قسم العصافير في سجن عسقلان، وقد تعرضت هناك لضغط شديد علمًا أنني لم أكن أعرف أي شيء عن المسجونين هناك. عاملوني بداية بشكل ممتاز وحاولوا إقناعي بأنهم معي وأنهم شرفاء ورفاق في النضال، لكنني لم أكن مطمئنًا لطريقة تعاملهم معي حيث أن العصافير يحاولون إقناع الأسير القادم إليهم بأنه هو الجاسوس.

مكثت في قسم العصافير في عسقلان مدة ستة عشر يومًا، وقد اعترفت هناك بكل ما حدث معي. رجعت بعد ذلك إلى التحقيق مرة أخرى ثم تم نقلي إلى سجن مجدو. اتبعوا معي قبل دخولي إلى مجدو أسلوب التفتيش العاري وهو أسوأ أنواع التفتيش داخل السجون الإسرائيلية، حيث يقومون بتعريتنا أمام بعضنا البعض وبتفتيشنا بالأجهزة بطريقة مذلة ومهينة لمشاعرنا. مكثت في مجدو مدة عامين ونصف العام. وإدارة سجن مجدو سيئة للغاية، فقد كانوا يعاملوننا كأننا حيوانات، كانت الغرف بوضع سيء وكذلك الحمامات، أضف إلى ذلك الاكتظاظ الكبير داخل الغرف. كما كانوا يقتحمون الغرف في أي وقت بحجة التفتيش الإجباري. وعندما يمرض أي أسير منا فإنه يعاني بشكل كبير قبل أن يصل إلى الطبيب، ولا دواء لديهم يقدمونه إلى الأسرى المرضى سوى "حبة الأكامول السحرية". كانوا يقومون كذلك بنقلنا من الغرف بطريقة همجية وبحجج واهية.

هناك في السجون الإسرائيلية طقس العدد الذي يتم في الصباح وفي المساء من كل يوم، وهناك الخروج إلى الفورة صباحًا ومساءً بحيث كنا نرى السماء من خلال الأسلاك الشائكة الموجودة فوق رؤوسنا. كانت جلسات محاكمتي تتم في محكمة سالم وكان هناك ثلاثة قضاة في كل جلسة. عُرضت على المحكمة إحدى عشرة مرة وفي الجلسة الأخيرة تمت محاكمتي وكان ذلك في السابع والعشرين من تشرين الثاني عام 2007. كان يترافع عني المحامي عبد دراوشة من القدس المحتلة، وقد حُكم علي بالسجن الفعلي مدة تسع سنوات بالإضافة إلى خمس سنوات مع وقف التنفيذ.

كان يتم نقلنا من السجن إلى المحكمة داخل ناقلة حديدية تسمى البوسطة، وكانت الرحلة في هذه الناقلة من أسوأ التجارب في الحياة الاعتقالية. في داخل البوسطة عدة مقاعد من الحديد وصناديق لكلابهم البوليسية. وقد كانت الرحلة من وإلى المحكمة تستمر لساعات طويلة نكون خلالها مقيدي الأيدي والأقدام وممنوعين من الطعام والماء ومن دخول الحمام. ولا يوجد في البوسطة أية نوافذ تطل على العالم الخارجي سوى فتحات صغيرة للتهوية، وتكون البوسطة باردة جدًا في الشتاء وحارة جدًا في الصيف.

خلال فترة وجودي في مجدو شغلت منصب موجه عام لحركة فتح، ففي داخل السجون هناك موجه عام لكل فصيل. وقد كنا نقوم بعقد جلسات تثقيفية وتنظيمية بطريقة حضارية رائعة. والمعاناة داخل المعتقلات أكبر من أن توصف، فبالإضافة إلى معاملة الأسرى بشكل سيء من قبل إدارة السجن، هناك الطعام السيء فقد كانوا يقدمون لنا كميات قليلة جدًا فالوجبات المقدمة لعشرة أسرى لا تكفي كلها لإطعام أسير واحد، ناهيك عن جودة الطعام الذي تأبى النفوس تناوله، فالأرز المطبوخ يتم خلطه بأرز نيِّئ، والمرتديلا تكون غير صحية وليست طازجة. كان هناك كانتين داخل المعتقل وكنا نشتري حاجياتنا من هناك، وكانوا عندما يريدون معاقبتنا يمنعوننا من الشراء من الكانتين.

خضنا في السجن العديد من الإضرابات بحيث كنا نمتنع عن الطعام والشراب وذلك بهدف نيل مطالبنا المشروعة، كانوا يعيدون إلينا حقوقنا المسلوبة بعد الإضراب ثم يقومون بسحبها بعد مرور أيام قليلة. أما بالنسبة لزيارات الأهل فقد كانت صعبة للغاية، كان أهلي ممنوعين من الزيارة "لأسباب أمنية" حسب تعبير سلطات الاحتلال. وقد زارني أهلي لأول مرة بعد مرور عامين ونصف العام على اعتقالي، وقد كنت مشتاقًا لهم جدًا. أما الزيارات بعد ذلك فقد كانت متقطعة وتتم كل ستة أشهر أو أكثر.

فيما بعد تم نقلي إلى سجن النقب الصحراوي والذي بقيت فيه حتى نهاية مدة حكمي. تنقلت داخل سجن النقب بين الغرف والخيام. ولا يوجد في سجن النقب أي شيء من المتطلبات الضرورية للحياة، فالطعام فيه أسوأ مما هو عليه في السجون الأخرى ويقدم بكميات أقل وبطريقة غير منطقية. أما الخيام فهي مكتظة بالأسرى. ومعتقل النقب بارد جدًا في الشتاء فهو يقع في المنطقة الصحراوية جنوب فلسطين المحتلة، أما خلال الصيف فالحرارة لا تطاق ناهيك عن الحشرات والزواحف بحيث كنا نقوم بتفتيش الخيمة عدة مرات قبل الخلود إلى النوم، وكنا نقوم بقتل الزواحف والحشرات بطريقة بدائية، فلا وجود لمبيدات حشرية ولا لأدوات طبيعية للتخلص من الحشرات والزواحف.

تعلمت خلال هذه الفترة اللغة العبرية، وكنت أقوم بقراءة الكتب ومناقشتها مع رفاقي الأسرى حيث كان هناك كمية لا بأس بها من الكتب الثقافية والتعليمية. وقد وصلت إلينا هذه الكتب بعد إضرابات طويلة خاضها الأسرى، وفي النهاية كان هناك مكتبة متواضعة لتثقيف الأسرى. تقدمت لامتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" وأنهيتها بنجاح، حيث لم أكن أحمل شهادة الثانوية العامة قبل دخولي المعتقل. كما كنا نمارس الرياضة ليحافظ كل منا على لياقته البدنية. عملت في كانتين النقب وعملت كذلك شاويشًا في أقسام تنظيم فتح.

قضيت تسع سنوات في السجون الإسرائيلية حتى جاء موعد تحرري في الخامس عشر من تشرين الأول عام 2015، وقد جاء "السوهير" في الليلة التي سبقت يوم تحرري لينقل لي خبر الإفراج عني. لم أنم في تلك الليلة من شدة فرحتي بالحرية المنتظرة في الصباح، وكنت في ذات الوقت حزينًا لفراق أصدقائي الموجودين داخل المعتقل. قمت في الصباح الباكر بإحضار حاجياتي للذهاب إلى الحرية وإلى الأهل والأحبّة، قاموا بتفتيشي للمرة الأخيرة وقاموا أيضًا بإعطائي محاضرة طويلة، حيث أنهم كانوا يطلبون من الأسير وقبل الإفراج عنه عدم العودة إلى العمل النضالي حيث أن نهاية ذلك العمل إما القتل أو الأسر وذلك حسب قولهم. وضعونا داخل الحافلات لنقلنا إلى حاجز الظاهرية، وكان في استقبالي أهلي وأصدقائي وأبناء بلدي. أعمل حاليًا في الأمن الوطني برتبة رائد، وأعيش الآن حياتي الطبيعية حيث أنني مقدم على الزواج قريبًا بإذن الله.