دعا الدكتور فهد ابو الحاج مدير عام مركز ابو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة في جامعة القدس، الى استغلال المعلومات المتوفرة والشهادات التي قدمها عشرات الاطفال الذين جرى تعذيبهم والتنكيل بهم امام عائلاتهم، والعمل الفوري عليها بكل ارجاء العالم وعدم الاكتفاء بها كملفات تدين الاحتلال، واضاف انه بامكاننا عمل الكثير في هذا السياق سواء لدى المؤسسات الدولية التي تعنى بالطفولة ام من خلال التأثير الكبير بالراي العام العالمي .


من جانب آخر يواصل مركز ابو جهاد نشر تجارب الاسرى المحررين وينشر بحلقة هذا الاسبوع تجربة الاسير المحرر سامر غانم من طولكرم .

الأسير المحرر سامر غانم


ولد الأسير المحرر سامر محمد إبراهيم غانم في مخيم طولكرم في الخامس والعشرين من كانون الأول عام 1980. اعتقل في الثالث عشر من كانون الثاني عام 2004 وحُكم عليه بالسجن مدة اثني عشر عامًا. أُفرج عنه في الثاني عشر من كانون الثاني عام 2016 بعد أن قضى كامل مدة حكمه في سجون الاحتلال. يروي الأسير المحرر سامر غانم لمركز أبو جهاد أبرز ما مر به خلال مسيرته النضالية والاعتقالية.

نشأت في ظل أحداث الإنتفاضة الأولى وفي ظل انتشار جيش الاحتلال في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية التي كانت تتعرض لهجماتهم المستمرة وتخضع لحكمهم العسكري، لقد كان جنود الاحتلال منتشرين في كل مكان، وبذلك كانت حياتنا خالية من الأمن والاستقرار النفسي. كانوا ينظرون إلينا على أننا عبيد لهم ولكننا رفضنا هذا الوضع، فقد قدم أبناء شعبنا الكثير من التضحيات فمنهم الكثيرون الذين ارتقوا شهداء ومنهم الأسرى ومنهم الجرحى.

لم تكن الدراسة تسير بشكل منتظم في ظل تلك الأوضاع، وكنا نخرج من المدارس وننظم المظاهرات احتجاجًا على الوضع الذي نعيشه. لقد كان الاحتلال يسعى إلى احتلال عقولنا قبل احتلال أرضنا وحصار أجسادنا، ولكن شعبنا الحر تحدى وصمد ووصل إلى قمم المجد بالتعليم والمثابرة. وكان ينقصنا خلال تلك الفترة الإعلام الحر الذي يمكننا من إيصال صوتنا إلى العالم. غير أن القائد أبو عمار كان يعمل على إعلاء صوت القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في العالم من أجل إقامة الدولة الفلسطينية ورفع علمها على مآذن وكنائس القدس.

كان والدي يعمل في الزراعة خلال تلك الفترة، وكان يسعى إلى أن يحقق لي ولأخوتي حياة كريمة على الرغم من قسوة الأوضاع التي نعيشها في ظل الاحتلال. فأنا ابن لأسرة مكونة من ثلاث أخوات وأربعة أخوة بالإضافة إلي، وقد زرع والدي في قلوبنا حب الوطن والأرض وعلمنا معاني التضحية والانتماء. وفي العام 1994 وعندما عاد القائد أبو عمار إلى أرض الوطن بدأت الأوضاع تستقر نسبيًا وعاد الأمل من جديد في تحقيق حياة كريمة لأبناء شعبنا. عملنا مع والدي لنسانده في مسيرة الحياة الصعبة، غير أن الأوضاع عادت إلى ما كانت عليه بل أصبحت أسوأ بعد أن قام الطاغية شارون عام 2000 بتدنيس تراب المسجد الأقصى، وبعد أن قامت قوات الاحتلال بارتكاب أبشع المجازر في الأراضي الفلسطينية ضمن خطة صهيونية تهدف إلى إبادة الشعب الفلسطيني. وبذلك اندلعت أحداث الإنتفاضة الثانية وشهد الشعب الفلسطيني أبشع المجازر التي ارتكبت في حقه، وشهد سياسات القتل العشوائي والاعتقال والحصار في حق الجميع من قادة وشبان وأطفال ونساء.

انضممت إلى العمل الوطني وتطوعت مع الأخوة في الجبهة الشعبية وكان هدفي من ذلك هو المشاركة في تحرير أرضنا من الاحتلال. استشهد خلال تلك الفترة العديد من القادة والأصدقاء من أبناء مخيم طولكرم الصمود. وخلال تلك الفترة اغتيل أيضًا الأخوة رائد الكرمي وفراس الجابر وسمير غانم وأخي أبو الزوز جراد وغيرهم الكثيرين. وفي عام 2002 قامت قوات الاحتلال بمحاصرة المخيم من كافة جهاته، واستمر الحصار مدة عشرين يومًا لم نتمكن خلالها من الخروج من المخيم.

كان هناك حصار آخر بدأ في الثالث عشر من كانون الثاني عام 2004، حيث حاصرت قوات الاحتلال المخيم بالدبابات والطائرات من كافة الجهات، وكانت معهم قوات خاصة وكلاب بوليسية، وكان الحصار يستهدف بالتحديد حارة الحمام في المخيم، وكان من بين المحاصرين الأخ الشهيد زياد دعاس والأخ يوسف مهداوي، ومن بين المحاصرين من استشهد ومنهم من تم اعتقاله، وقامت قوات الاحتلال كذلك بتدمير كل ما في المخيم. وبعد ثلاثة أيام من الحصار قاموا باعتقالي بمساعدة القوات الخاصة ثم اقتادوني إلى مركز توقيف DCO، بقيت هناك لساعات وبعدها نقلوني إلى معسكر "قدوميم" للتحقيق معي.

كان من بين المحققين واحد يدعى كابتن أشرف وآخر اسمه كابتن موشيه، وكان كلاهما عنصرييْن من الدرجة الأول، كان الأول حقودًا وذئبًا قاتلًا، أما الثاني فكان يلعب دور المتواضع الرحيم. وكانا عندما يفشلان في الحصول على الاعتراف يظهر كلاهما بالصفات العنصرية والوحشية. كان الوضع سيئًا جدًا وكنت أسمع أصوات الأسرى أثناء التعذيب، وقد استمر التحقيق معي مدة شهر ونصف الشهر. وأذكر هنا أنهم كانوا يرسلون إلينا العصافير وهم سجناء عرب مدنيون مدربون على استدراج الأسير لنيل المعلومات منه.

بعد انتهاء التحقيق معي تم نقلي إلى سجن مجدو وكان الوضع هناك عبارة مأساة حقيقية يعيشها الأسرى الفلسطينيون، فهذا السجن يجمع بين الأسرى الفلسطينيين والسجناء المدنيين الجنائيين الذين ينالون كل مستحقاتهم، أما نحن أسرى الحرب ـ الذين تم اعتقالنا بسبب دفاعنا عن حقنا الشرعي وعن وطن يخصع لاحتلال يرتكب المجازر في حق أبناء شعبنا على مرأى ومسمع العالم الذي لا يحرك ساكنًا ـ فقد كان يتم التعامل معنا على أننا حقل تجارب بين أيدي الاحتلال الذي ينتهج سياسة القتل البطيء في حقنا. فبالإضافة إلى السياسات التي تهدف إلى إهانة الأسير وعائلته، فإنه يتم إعطاء الأسرى المرضى الأدوية التي ينتجها الكيان الصهيوني ليتم تجريبها في أجسادنا أولًا قبل اعتمادها بشكل نهائي كأدوية صالحة للاستعمال. وكنا إذا رفضنا تعاطي هذه الأدوية فإننا لا نحظى سوى بدواء الأكامول المسكّن للآلام، والذي يتم إعطائه للأسير المريض حتى لو كان مصابًا بأخطر الأمراض. وهناك الكثيرون من الأسرى الذين استشهدوا جراء سياسة الإهمال الطبي ومنهم من تغلغلت الأمراض في أجسادهم وأصيبوا بإعاقات دائمة.

أما الطعام فقد كان سيئًا جدًا وقد خضنا الإضرابات بهدف أن يكون لنا مطبخ خاص بنا، وبعد خوض العديد من الإضرابات كنا نسترجع بعض حقوقنا، وقد كنا نقوم بتلك الإضرابات وغير من الخطوات الاحتجاجية بهدف نيل حقوقنا المشروعة وذلك بعد إجراء العديد من المشاورات بين الأسرى في مختلف السجون. حظيت بزيارة أهلي لي بعد مرور تسعة أشهر على اعتقالي حيث جاءت أخواتي إلى زيارتي عل الرغم من العناء الذي لاقوه في الطريق إلى السجن وأثناء العودة إلى البيت، ناهيك عن سياسات الإذلال التي يتبعها الاحتلال وسجّانوه مع أهالي الأسرى خلال الزيارة. كانت مدة الزيارة خمس وأربعون دقيقة تخللتها الأسئلة والحكايات حول الأهل والوالدين، وقد كانت زيارة جميلة جدًا رغم الشعور بالمرارة. وبعد مرور عام جاء لزيارتي كل من والدي ووالدتي، فقد حرما من الزيارة مدة عام كامل لأسباب أمنية حسب تعبير سلطات الاحتلال. والسؤال هو: ما الذي سيفعله والدي ووالدتي لأمن إسرائيل، وهي الدولة التي لا تعرف معنى الرحمة والشفقة؟ والحمد لله أنني حظيت أخيرًا برؤيتهما التي سعدت بها رغم المعاناة وألم الفراق.

تم عرضي على المحكمة عدة مرات حتى حُكم علي بالسجن مدة اثني عشر عامًا. وقد تنقلت خلال سنوات اعتقالي بين عدة سجون من بينها هداريم وإيشيل وجلبوع والنقب، حيث لم أكن أستقر لفترة طويلة في أي من السجون، فنقل الأسير باستمرار من سجن إلى آخر هي سياسة يتبعها الاحتلال ويهدف منها إلى سلب الأسرى الاستقرار النفسي والاجتماعي. وفي السجن عرفت من خلال الراديو خبر اغتيال أخي غانم غانم والذي كان مطاردًا من قبل قوات الاحتلال، كان الخبر صدمة كبيرة بالنسبة إلي ولم أعِ حينها ما أسمع ولكنني احتسبته عند الله شهيدًا. وعلى الرغم من قسوة السجن والسجّان إلا أننا كنا نحن الأسرى نشارك بعضنا البعض أحزاننا وأفراحنا ونتقاسم طعامنا، فقد كنا قلبًا واحدًا وعقلًا واحدًا.

كنا نقيم الجلسات الثقافية والتنظيمية والترفيهية، ونحضر لانتخابات الفصائل والقسم ونختار ممثل المعتقل وشاويش الغرفة، ونختار كذلك لجان الحوار مع الإدارة. كنا منظمين لا يفرق بيننا أحد ولا يقدر علينا أحد حتى قامت إدارة السجن باتباع سياسية التفرقة بين الأسرى والتنظيمات، حيث قررت إدارة السجون أن تفرق بين الفصائل. وعلى الرغم من قيامنا بالاحتجاجات والإضرابات إلا أن إدارة السجن قد نجحت بالفصل بيننا، أي بين الأسرى من تنظيمات حماس والجهاد الإسلامي وفتح والجبهة الشعبية. وعلى الرغم من ذلك إلا أننا حافظنا على التواصل فيما بيننا وذلك بالقيام بخطوات احتجاجية بشكل جماعي ضد سياسة الاحتلال والسجون.

كانت قوة نحشون تقوم باقتحام الأقسام والغرف وذلك عندما نعترض أو نحتج على وضع ما في الحياة الاعتقالية، وأفراد هذه القوة لا يعرفون معنى الإنسانية والرحمة فيقومون بضرب الأسرى والتنكيل بهم، أضف إلى ذلك سياسة العقاب الجماعي في حق الأسرى ومصادرة أموالنا من الكنتين والتي تصلنا من أهلنا ومن وزارة الأسرى، ومصادرة حاجياتنا، ومعاقبتنا أيضًا بحرماننا من زيارات الأهل لفترات طويلة. وقد كنا نحيي الأعياد والمناسبات الدينية ونقيم طقوسها الخاصة بها فنعد من لبّ خبز الفينو الحلويات مثل الكعك والعوّامة وغيرها. كما كنا نصنع من بذور الزيتون المسابح والأكاليل ، وكنا نصنع من الكرتون مجسمات للمسجد الأقصى وإطارات للصور وغيرها من المشغولات الإبداعية بالإضافة إلى مشغولات التطريز. كنا ننتج وننجز باستمرار على الرغم من الحرمان، ما كان يسبب الغيظ للسجّان الذي لم يوفر جهدًا لقهر الأسرى وحصارهم.

أما زيارات الصليب الأحمر فقد كانت قليلة جدًا، كما أنه لم يكن قادرًا على تغيير أي شيء في أوضاع السجون وكل ما كان يفعله هو تسهيل وصول الرسائل إلى الأهل. تحررت من السجون الإسرائيلية بعد قضاء كامل مدة حكمي فيها، وكان ذلك في الثاني عشر من كانون الثاني عام 2016، حيث تم نقلي إلى النقب ومن ثم إلى الخليل، وبعد ساعات طويلة من الانتظار تعادل سنوات سجني كلها تحررت وعدت إلى وطني ومدينتي ومخيمي، مخيم طولكرم، تاركًا من ورائي أخواني وأخواتي الأسرى الذين ما يزالون يعيشون في ظروف مأساوية.

فرحت كثيرًا باللقاء أخيرًا بأهلي وجيراني وأصدقائي وأشخاص لا أعرفهم، فقد كان الاحتفال بتحرري جميلًا وكبيرًا، وكانت رسالتي إلى أخواني الاسرى هي أن يبقوا صامدين على الثوابت وأن لا يتهاونوا مع الاحتلال. أما رسالتي إلى الأخ أبو مازن والمؤسسات الحكومية والأهلية هي أولًا: من الضروري العمل على ترسيخ الوحدة الوطنية فالوحدة هي الرصاصة التي ستخرق جسد العدو، وثانيًا: من الضروري العمل الجاد على تحرير الأسرى وخاصة المرضى والجرحى والأسيرات وكذلك الأسرى الذين أُعيد اعتقالهم بعد تحررهم ضمن صفقة "وفاء الأحرار".

أنا الآن مستقر في حياتي وأسعى إلى إيجاد شريكة عمري لتساندي على تلك الحياة. وأتمنى أن نتمكن نحن الأسىرى المحررون من الانخراط في المؤسسات الحكومية والمجتمعية كي لا نكون عالة على أنفسنا وحتى لا نشعر بالعجز بعد أن قدمنا الغالي والنفيس في سبيل الوطن الذي يستحق تقديم التضحيات من أجل حريته. أخيرًا أرسل سلامي إلى أخواني الأسرى هادي الهمشري وعلاء أبو زغيب وعمر أبو عمشة ووائل غانم وإلى كل الأحرار من الأسرى والأسيرات الأشرف منا جميعًا راجيًا من الله أن يكون موعدهم مع الحرية قريبًا.