ولد الأسير المحرر أحمد حسن محمد الدراويش، الملقّب بأحمد الحزين، في بلدة دورا قضاء الخليل في السادس والعشرين من نيسان عام 1953. حاصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الخليل وعلى درجة الدبلوم في الإرشاد الصحي من جامعة بيت لحم. اعتقل ست مرات وقضى في سجون الاحتلال ما مجموعه ثماني سنوات. الأسير المحرر أحمد الدروايش متزوج وأبٌ لست بنات وولدين، ومتقاعد برتبة عميد في الأمن الوقائي، وهو يروي لمركز أبو جهاد أبرز المحطات في مسيرته النضالية والاعتقالية.

 

نشأت وترعرعت في حارة التَنَك في البلدة القديمة في دورا ، ودرست المرحلة الأساسية في مدرسة وكالة الغوث وأكملت دراستي للمرحلة الثانوية في مدرسة دورا الثانوية. بدأت نشاطي الوطني خلال مرحلة الدراسة للثانوية بالانتماء للحزب الشيوعي الفلسطيني، وكان نشاط الحزب خلال تلك الفترة يقتصر على توزيع المنشورات المناهضة للاحتلال. بعد نجاحي في الثانوية العامة، ونظرًا لظروفي الاقتصادية الصعبة، انتسبت لجامعة بيروت العربية حيث أن وجود الطالب في الجامعة كان يقتصر فقط على فترة تقديم الامتحانات النهائية.

اعتقلت من بيتي في الثامن عشر من كانون الأول عام 1973 على يد قوة كبيرة من الجيش الإسرائيلي، كان الجو في تلك الليلة باردًا جدًا بسبب تساقط الثلوج، اعتقل معي كذلك محمد محمود ربعي وهو أحد أبناء البلدة، وكان ذلك ضمن حملة اعتقالات واسعة قامت بها قوات الاحتلال على خلفية عمل عسكري نفّذه الفدائيون المطاردون، والذين كانوا خلال تلك الفترة يختبئون في جبال دورا. كان عدد المعتقلين في تلك الليلة أكثر من سبعين شخصًا، وتم اقتيادي مسافة طويلة إلى المكان حيث تقف سيارات الجيش، كنت معصوب العينين ومقيد اليدين يجرني الجنود بينما يقوم جنود آخرون بالاعتداء عليّ بالضرب.

بدأ التحقيق معي مباشرة فور وصولي إلى مركز التحقيق في الخليل، وكان التحقيق يتركز حول علاقتي مع الفدائيين المطاردين في منطقة دورا ، كان المحققون يستغلون برودة الطقس والصقيع بحيث يتم شبحي في البرد لساعات طويلة، كنت أرتجف من شدة البرد، حيث كان يتم تجريدي من ملابسي تمامًا في تلك الأجواء القاسية، كوسيلة للضغط النفسي إضافة إلى الضغط الجسدي. وفي بعض الأحيان كانت عملية الشبح تكون مع تبليل الملابس بالماء البارد. مكثت في الزنازين ما يزيد عن الخمسين يومًا، لكنني كنت أشعر بالانتصار على السجان لأنه لم يستطع أن يجبرني على الاعتراف، وكان اعتزازي بذاتي يتفوق على الألم والعقاب والجوع والمكوث في الزنزانة القذرة والضيقة، والتي كنت أضطر فيها إلى قضاء حاجتي في دلو كان موجودًا فيها.

كنت أقضي ساعات طويلة في الزنزانة في الأيام الأخيرة من التحقيق، واتخذت قرارًا بالالتحاق بالثورة بعد الخروج من السجن، كان ذلك نتيجة لما شعرت به من مرارة ظلم وقهر السجان. تم نقلي إلى سجن الخليل وقد استقبلني الأسرى هناك بمحبة واحترام، كان من بينهم الأخوة علي عمرو ومحمود ربعي ويونس الرجوب، أحضروا لي الملابس وذهبت إلى حمام السجن، كان شعري طويلًا وجسمي قذرًا تغزوه الطفيليات، شعرت بالخجل من حالتي تلك أمام الأسرى، إلا أنهم قالوا لي أن الحالة التي أنا عليها هي وسام شرف وليست عيبًا، وكانت فرحتهم بي كبيرة حينما أخبرتهم بأنني لم أُدلِ بأي اعترافات في التحقيق. وقد أُفرج عني بعد مرور أسبوع وكان ذلك في الرابع والعشرين من شباط عام 1973>

بعد مرور أشهر قليلة على خروجي من السجن سافرت إلى بيروت لتقديم الامتحانات في الجامعة، وكنت قد حسمت أمري بالالتحاق بالثورة، وتم التواصل مع أفراد من الثورة وكان ذلك عن طريق أحد أبناء بلدتي واسمه حسين أبو شرار والذي كان يقيم في بيروت. التحقتُ بحركة فتح مع صديق لي من أبناء بلدتي اسمه فايز الفسفوس، وتم تشكيل مجموعة واحدة تضمنا، وبعد ذلك تم تدريبنا في مخيم تل الزعتر، وأُبلغنا بأنه سيتم الاتصال بنا عبر إذاعة الثورة باستخدام أسمائنا الحركية وذلك عندما نعود الى الوطن. وقد أُعطيت اسمًا حركيًا هو "فارس حمدان". وبالفعل وبعد عودتنا الى الوطن تم توجيه نداء لنا عبر الإذاعة حيث تم وصلنا بمجموعة ناشطة في المنطقة مرتبطة بالمطاردين، والتي كانت بقيادة ظاهر العواودة الذي استشهد لاحقًا عام 1979 في منطقة الدامور في جنوب لبنان في إحدى الغارات الإسرائيلية.

تم اعتقالي للمرة الثانية في الثامن عشر من نيسان عام 1975 وذلك بعد أن تم اعتقال أفراد المجموعة التي ارتبطنا بها في الداخل، والتي كانت مرتبطة مع المطاردين، وجاء اعتقالنا على خلفية الاعترافات التي انتزعت من بعض أفرادها، وعلى إثر ذلك تم اعتقالي واعتقال فايز الفسفوس. أُدخلنا مباشرة للتحقيق، ولم يكن أسلوب التحقيق قد تغير كثيرًا عن المرة السابقة، حيث كان يعتمد بشكل أساسي على العنف الجسدي والتجريد من الملابس والضرب على كافة أنحاء الجسم وخاصة على الأعضاء التناسلية.

على الرغم من خبرتي السابقة في التحقيق إلا ان شهادات بعض أفراد المجموعة كانت سببًا في توجيه لائحة اتهام ضدي. مكثت في زنازين التحقيق حوالي شهر وبعد ذلك تم نقلي إلى السجن، استقبلني الأسرى بالترحاب كما في المرة الأولى، ولكن في هذه المرة كانت الطريقة مختلفة حيث أنني سأكون من بين النزلاء الدائمين. وعلى إثر تلك الاعترافات قامت سلطات الاحتلال بإغلاق بيتي بالباطون وبقي مغلقًا حتى قيام السلطة الفلسطينية.

تضمنت لائحة الاتهام التي قُدمت ضدي الانضمام لحركة فتح، والتدرب على السلاح، ومساعدة المطاردين، والقيام بحرق مكتب العمل. وتولى الدفاع عني المحامي وصفي المصري، واستمرت المحاكمة لأكثر من عامين وتضمنت حوالي عشر جلسات، وقد حكمت عليّ المحكمة العسكرية في الخليل بالسجن الفعلي مدة ست سنوات بالإضافة إلى ست سنوات مع وقف التنفيذ.

منذ اليوم الأول من وجودي في سجن الخليل أعلنت التزامي بتنظيم حركة فتح، والتزمت بحضور الجلسات التنظيمية. كانت إدارة سجن الخليل تمنع الجلسات التنظيمية، وكان يتم بالقيام النشاط التنظيمي بشكل سري. كان الأسرى يفكرون بشكل دائم وبشتى الطرق من أجل فرض الوجود التنظيمي، في حين كان السجناء الجنائيون يسيطرون على المرافق العامة في السجن كالمطبخ والمغسلة، ويتحكمون في توزيع الطعام على المعتقلين ويسرقون مخصصات الأسرى من الدجاج واللحوم ويأكلونها، لذا قرر التنظيم القيام بأول عملية لفرض وجوده أمام إدارة السجن، وذلك بطرد السجناء الجنائيين من تلك المرافق وتسليمها للأسرى السياسيين. تجهزنا للمعركة وفور خروجنا من قسم "أ" إلى الفورة قمنا بالانقضاض عليهم وأوسعناهم ضربًا، أعلنت إدارة السجن حالة الطوارئ عبر صفارة الإنذار وأخذت مجموعة من الأسرى إلى الزنازين، وكان نتيجة تلك المعركة أن مرافق السجن قد أصبحت في يد الأسرى الأمنيين وأصبح التنظيم هو من يعين العاملين فيها.

تم نقلي إلى سجن نابلس بسبب نشاطي التنظيمي، وكان تخصصي في التنظيم غالبًا هو المجال الأمني، وكان من أهم ركائزه توجيه الأسرى بعدم الحديث عن أية معلومات لم يدلوا بها للعدو خلال التحقيق، ومحاولة الكشف عن العملاء الذين تدسّهم أجهزة المخابرات أو إدارة السجن، إضافة إلى توفير الأمن الداخلي كالسهر الليلي للمراقبة وغيره. في البدايات كان المفهوم المفهوم الأمني يحتوي على الكثير من الأخطاء، إلا أنه قد تطور مع الزمن وتحول من مفهوم العقوبة الى مفهوم الإصلاح. تسلمت العديد من المناصب التنظيمية في السجن كان من أبرزها عضوية اللجنة المركزية لحركة فتح في كل من سجن الخليل وسجن نابلس، بالإضافة إلى مهام إدارية أخرى من بينها عملي كموجه قسم إداري، إلا أن المهام الأمنية كانت الأبرز في نشاطي التنظيمي.

كنا نقوم بتبادل الرسائل مع السجون الأخرى وكان بعض تلك الرسائل يحتوي على معلومات أمنية، كما كنا نتبادل الكراسات الفكرية، ونجري تنسيقًا بين المعتقلات. كنا نقوم بكتابة الرسائل بخطّ صغير الحجم على ورق ناعم شفّاف، ثم نقوم بطيّ الرسالة على شكل كبسولة يبتلعها الأسير وينقلها مخبّأة داخل جسده إلى سجن آخر. أما المعلومات الأمنية فكان يتم كتابتها بلغة مشفّرة متفق عليها وكان يتم تغير الشيفرة بين الحين والآخر.

أُفرج عني في السابع عشر من نيسان عام 1981، وبعد خروجي من السجن التحقت بجامعة بيت لحم وحصلت على درجة الدبلوم في الإرشاد الصحي، وكنت ناشطًا في الحركة الطلابية. وبعد تخرجي ولعدم وجود أية فرصة عمل عملت بوظيفة حارس في رابطة الجامعيين، وخلال تلك الفترة التحقت بجامعة الخليل وكنت أحد الناشطين في الحركة الطلابية في الجامعة، حصلت على شهادة البكالوريوس في التاريخ، وعملت بموجبها بوظيفة باحث في مركز دراسات رابطة الجامعيين.

تم اعتقالي مرة أخرى بعد اندلاع الإنتفاضة الأولى والتي كان لي شرف المشاركة فيها، وكان ذلك في الثالث والعشرين من آذار عام 1988، وقد جاء اعتقالي ضمن حملة اعتقالات جماعية جرت في تلك الليلة وضمت أكثر من خمسين معتقلًا من أبناء بلدتي. تم اقتيادنا بالضرب والتنكيل، وقد كنا معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي، ثم تم نقلنا في حافلة إلى معتقل الظاهرية، وعندما نزلنا منها وجدنا أمامنا طابورين من الجنود يحمل كل منهم هراوة، وأُجبرنا على المرور من بينهم، بدأنا بالركض بين طابوري الجنود وهم ينهالون علينا بالضرب، كنا نحاول حماية رؤوسنا بأيدينا. كان الضرب والتنكيل بالمعتقلين يتم في كافة مرافق المعتقل، حتى أن الطبيب الذي يقوم بفحص المعتقلين كان أيضًا يعتدي عليهم بالضرب. تم استبدال أسمائنا بأرقام، وكان علينا أن نحفظ أرقامنا وكذلك أرقام بعض المعتقلين من كبار السن والأمّيين لنذكرهم بها حينما يُنادى عليهم خوًفا من تعرضهم للضرب والعقاب.

أصدر قائد المنطقة الوسطى العسكري حكمًا إداريًا بحقي مدة ستة أشهر تم نقلي بعدها إلى سجن النقب، وقد تم نقلنا في حافلة كمجموعة وكنا معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي. ومعتقل النقب "أنصار" عبارة عن مجموعة من الخيام المحاطة بالأسلاك الشائكة ومن خلفها جدار من الرمال العالية، ويشرف الجيش عليه بشكل مباشر ويتولى حراسته جنود من الاحتياط والذين يتم تغييرهم باستمرار بجنود آخرين، ما شكل حائلًا أمام إمكانية تفهم السجّانين لظروف المعتقلين الإنسانية؛ كانت ظروف الاعتقال قاسية، فلا يسمح بزيارات الأهل، ولا يوجد أي اتصال مع الخارج إلا من خلال المحامين والذين نادرًا ما كان يسمح لهم بزيارة المعتقلين. خرجت لمحكمة الاستئناف ووجه لى ملف سري، ولأسباب مرضية، حيث كانت أعراض المرض بادية عليّ آنذاك، تم إنقاص شهرين من الحكم الإداري وأُفرج عني .

بعد خروجي من المعتقل كان لا بدّ من الانخراط في العمل الجماهيري في الإنتفاضة التي كانت تعم الأرض المحتلة، وذلك ضمن قيادة منطقة الجنوب ، وبعد أقل من ثلاثة أشهر من تاريخ تحرري من السجن أعيد اعتقالي إداريا مرة أخرى ، مكثت في السجن مدة أربعة أشهر مررت خلالها بذات الظروف الاعتقالية السابقة.

كانت أحداث الإنتفاضة تتصاعد والاعتقالات تزداد يومًا بعد يوم، إلا أن ذلك لم يؤثر على قوة المد الجماهيري للإنتفاضة. مكثت خارج السجن حوالى تسعة أشهر إلا انه أُعيد اعتقالي إداريًا مرة أخرى وكان ذلك في الخامس من نيسان عام 1989، قضيت في السجن مدة ستة أشهر ورفضت محكمة الاستئناف المقدم على الحكم وتم تثبيته و أُفرج عني في السادس من أيلول عام 1989، إلا أن الاحتلال لم يمهلني طويلًا هذه المرة وبعد مرور واحد وعشرين يومًا على تحرري أُعيد اعتقالي إداريًا مرة أخرى مدة ستة أشهر أمضيتها جميعها في السجن وأُفرح عني في السابع والعشرين من كانون الأول عام 1989. وبذلك أكون قد اعتقلت ست مرات وأكون قضيت في سجون الاحتلال ما مجموعه ثماني سنوات.