ولد الأسير المحرر شاهر أبو علّان في السادس عشر من تموز عام في 1953، في بلدة الظاهرية في الخليل والتي يقيم بها، متزوجٌ وأب لأربعة أبناء وثماني بنات، وحاصل على الثانوية العامة، وهو حاليًا متقاعد برتبة عميد في جهاز الأمن الوقائي.يروي الأسير المحرر شاهر أبو علّان لمركز أبو جهاد أبرز المحطات في مسيرته النضالية والاعتقالية.

أنتمي لأسرة تعمل في الزراعة شأنها شأن معظم أهالي البلدة، درستُ في مدرسة ذكور الظاهرية لكن الظروف الاقتصادية للعائلة حالت دون إكمال دراستي، إذ بدأت العمل في سن مبكرة. كنت قبل الانضمام للتنظيم أقوم ببعض النشاطات كتوزيع المنشورات في المدارس والأماكن العامة، وذلك بالمشاركة مع شبان من الحزب الشيوعي. وقد بدأت تجربتي مع الاعتقال في شهر آذار من عام 1973 حيث اعتقلت بسبب المشاركة في تلك النشاطات. أُدخلت إلى التحقيق في سجن الخليل ومكثت فيه مدة سبعة وثلاثين يومًا.

 

كان التحقيق في تلك الفترة يعتمد بشكل أساسي على الضرب والإيلام الجسدي إضافة إلى الشبح لساعات طويلة وأنا معصوب العينين ومقيد اليدين. كان المحققون يتبعون معي وفي كثير من الأحيان سياسة العصا والجزرة، بحيث يلعب أحد المحققين دور المدافع عني في حين يلعب الآخر دور المهاجم وذلك لنزع الاعتراف عن طريق الاحتيال. أضف إلى ذلك استخدام الماء البارد خاصة في أجواء الشتاء الباردة والضرب على الأعضاء التناسلية.

لم يستطع المحققون انتزاع أي اعترافات مني وكنت موجودًا في الزنازين وتم الإفراج عني مباشرة، غير أن تلك التجربة قد تركت أثرًا عميقًا عليّ فخرجت من السجن وكلي إصرار على مواصلة طريق النضال، ولكن هذه المرة بطريقة مختلفة، حيث التحقت بمجموعة عسكرية تابعة لحركة فتح أفرادها من أبناء بلدتي. وقد ضمّت المجموعة كلًّا من إبراهيم صالح، وأحمد الجبارين، وعريف الوريدان، ومالك الزبدية. كنا نجري اتصالنا مع حركة فتح في الخارج من خلال أحد الطلبة الذين كانوا يدرسون في جامعة بيروت العربية آنذاك، وتم إجراء اتصال مع مجموعة أخرى عاملة في المنطقة، من أجل تزويدنا بالسلاح وبكل ما يلزم.

حصلنا على ما نريد وبدأنا بالعمل، إلا أنه ونتيجة وجود اختراق أمني من قبل أحد المتعاونين مع الاحتلال تم اعتقالنا في الواحد والعشرين من آب عام 1975، حيث جاءت قوة كبيرة من الجيش ليلًا إلى منزلي وتم اقتيادي إلى مركز التحقيق في الخليل. وُجِّهت إلي تهم هي: الانضمام للتنظيم، وحيازة سلاح، وتنظيم آخرين، والقيام بعمليات عسكرية. كان التحقيق في هذه المرة أشد قسوة من المرة السابقة، خاصة وأنه كان يتمحور حول أعمال عسكرية وحيازة أسلحة، فقد تم استخدام أساليب ضغط عديدة ومنها التهديد بجلب زوجتي إلى التحقيق والاعتداء عليها. أنكرت في البداية كافة التهم الموجهة إليّ، إلا أن ظروف التحقيق ووجود كافة أعضاء المجموعة في التحقيق حال دون إمكانية التحكم والإنكار الكلي، وقد اعترفت بالانتماء للمجموعة.

مكثت في الزنازين مدة ثمانية وأربعين يومًا وتم بعدها وضعي في سجن الخليل، استقبلني الأسرى بكل المحبة والاحترام ولا زلت أذكر منهم محمد غريب الذي ترك أثرًا كبيرًا على حياتي داخل السجن، فقد كان دائم التوجيه لي ورسم لي معالم الطريق لمواجهة ظروف الاعتقال، إضافة الى القدامى من المعتقلين الآخرين أمثال إبراهيم أبو غلوس وأبو خالد قديمات وآخرين كان لهم فضلًا علي أحفظه إلى يومنا هذا.

التزمت بتنظيم فتح في السجن، ولأن الظروف في الخارج لم تساعدني على إكمال دراستي فقد اعتبرت السجن فرصة للدراسة ونيل الثقافة وخاصة الثقافة الوطنية؛ لقد صقلت سنوات الاعتقال شخصيتي وحولتني إلى شخصية قيادية، فقد برمجت السنوات الأربع التي قضيتها في المعتقل مسيرة حياتي النضالية القادمة، وخاصة خلال سنوات الإنتفاضة الأولى والتي كنت واحدًا من الناشطين فيها.

حُكِمَ عليّ في المحكمة العسكرية في رام الله، وقد تولى الدفاع عني المحامي وصفي المصري، إلا أن المحامين لم يكن لهم أثر كبير خلال تلك الفترة. شملت محاكمتي ثماني جلسات وحُكم عليّ بالسجن الفعلي مدة أربع سنوات. رزقت بطفلة في أواخر فترة محاكمتي، وقد أحضرتها زوجتي يوم محاكمتي إلى قاعة المحكمة وكانت قد أصرّت أن لا يسميها أحد غيري، ورغم مرارة الاعتقال إلا أن وجود طفلتي قد أسعدني جدًا وأطلقت عيها اسم "تحرير" تعبيرًا عن تطلعات شعبنا إلى الحرية والاستقلال.

أمضيت سنوات اعتقالي كلها في سجن الخليل، وقد تسلمت خلالها العديد من المهام التنظيمية وذلك في القسم الذي كنت موجودًا فيه، وساهمت مع العديد من زملائي برفع المستوى التنظيمي في السجن، حيث كان التنظيم في بدايات تشكله في سجن الخليل، وكان مستوى الوضع التنظيمي فيه أقل من المستوى الذي هو عليه في السجون المركزية الأخرى لأن سجن الخليل كان يعتبر مركز تحقيق، كما كان يسيطر عليه جهاز المخابرات. أمضيت كل محكوميتي في سجن الخليل حتى أُفرج عني في التاسع عشر من آب عام 1979.
مع بداية الثمانينيات بدأ النشاط الجماهيري والسياسي لحركة فتح في الأراضي المحتلة، إذ كان نشاط الحركة قبل تلك الفترة يركز على العمل العسكري. بدأت نشاطي بتشكيل لجان الشبيبة للعمل الاجتماعي في منطقتي والمساعدة في تشكيل لجان المرأة للعمل الاجتماعي، إضافة إلى العمل النقابي حيث بدأت حركة فتح تنشط في العمل النقابي وسيطرت على معظم النقابات بالانتخابات.

خلال تلك المرحلة تم اعتقالي إداريًا ثلاث مرات كان أولها في شهر آب عام 1985، إذ اعتقلت مدة ستة أشهر. ثم أُعيد اعتقالي لمرتين ستة اشهر ايضا لكل منهما في شهر أيلول من عام 1986. وأعيد اعتقالي مرة أخرى كانت في السادس والعشرين من نيسان عام 1987. وفي كل مرة أُعتقل فيها كنت أزداد إصرارًا على مواصلة المسيرة وأصبح أكثر إيمانًا بالنصر. إن تلك المرحلة من نضال شعبنا والتي قادها الأسرى المحررون وقادة الحركة الطلابية وتجربة الحركة النقابية هي المرحلة التي مهدت للإنتفاضة المباركة ـ إنتفاضة الحجارة.

مع بداية الإنتفاضة عام 1987، وبعد سبعة أشهر من خروجي من السجن، تسلمت مهام قيادية في منطقتي ما أدى إلى إعادة اعتقالي إداريًا مدة ستة أشهر وكان ذلك في السادس والعشرين من نيسان عام 1988، تم اعتقالي ليلًا ونُقلت إلى ما يسمى "بالخشابية" وهي مكان لتجميع المعتقلين يقع أمام مقر الحكم العسكري في الخليل، ومن ثم نُقلت إلى معتقل الظاهرية، وكوني أجيد اللغة العبرية عملت في مطبخ السجن وكنت بمثابة ممثل المعتقل. مكثت في الظاهرية مدة ثلاثة أسابيع تقريبًا ثم نُقلت إلى سجن عتليت وكان برفقتي كلٌّ من أحمد شاكر دودين وعلي الرجوب ومحمد عبد الفتاح شاهين وآخرين.

تم وضعنا في قسم الخيام وفور وصولنا قمنا بخطوة احتجاجية وهي إرجاع وجبة الطعام التي قُدمت لنا، قاموا بمعاقبتنا بوضعنا في الغرف والتي وضعها أكثر سوءًا من وضع الخيام. استدعاني قائد المعسكر وقال لي "ما هي مطالبكم؟"، فقلت "نريد راديو وكانتين والخروج إلى الفورة"، أجابني باستهزاء "ألا تريد أن نزوجك ؟". تم إعادتي إلى الغرف، وفي اليوم التالي أُصيب كافة المعتقلين بتسمم معوي نتيجة تناولنا لطعام فاسد قُدِّم لنا. وبعد مرور أيام تم نقلنا إلى سجن عوفر الذي أُعيد فتحة من جديد وكان إلى جواري في الحافلة التي أقلتنا في تلك الرحلة الشاقة الشيخ حامد البيتاوي. وأثناء السفر كان الجنود يعتدون على المعتقلين بالضرب وطلبوا من بعض المعتقلين أن يسبّوا القائد ياسر عرفات مستخدمين الضرب واللكم والتحقير، إلا أن المعتقلين رفضوا الانصياع والخضوع لمطالبهم، واستمرت عملية التنكيل حتى وصلنا إلى المعتقل.

بعد مرور حوالي شهرين نُقلت إلى معتقل النقب الصحراوي والذي كان في قد افتتح حديثًا بهدف ردع المعتقلين عن الاستمرار في الإنتفاضة، والنقب عبارة عن مجموعة من الخيام محاطة بالأسلاك الشائكة والسواتر الترابية ، وكان يدار من قبل الجيش مباشرة، وكانت أية محاولة للمطالبة بتحسين الظروف تواجَه بالقمع الشديد. كنا معزولين تمامًا عن العالم الخارجي فلا وجود للراديو، ولا دخول للصحف ولا حتى الكتب باستثناء الكتب السماوية. كما كان جميع الأسرى ممنوعين من زيارات الأهل. ولم تكن تصلنا أي أخبار عن الخارج وخاصة أخبار الوضع الميداني للإنتفاضة حيث كنا نتشوّق لمعرفة التفاصيل، وكنا نعرف أخبار الإنتفاضة من المعتقلين الجدد.

تقدمت باستئناف على الاعتقال الإداري إلا أنه قد تم تثبيت الحكم، أمضيت فترة الستة أشهر كاملة وأُفرج عني في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 1988. كانت الإنتفاضة الجماهيرية تزداد قوة وتنضم الجماهير إليها بشكل ملفت للنظر، وفور خروجي من المعتقل التحقت بالإنتفاضة، ولم يمضِ وقت طويل حتى جاءت قوة من الجيش لاعتقالي، لم أكن حينها موجودًا في المنزل، وقد أصبحت بعد ذلك مطاردًا ومطلوبًا للاعتقال. كان الجيش يداهم منزلي وينكّل باستمرار بأفراد عائلتي، وفي إحدى الليالي قررت العودة إلى البيت إلا أنني فوجئت بوجود قوات من الجيش تحاصر منزلي، غير أنني تمكنت من الهرب بأعجوبة، ولكن تلك الحادثة قد دفعتني إلى التفكير في تسليم نفسي بهدف حماية أفراد عائلتي من التنكيل بهم على أيدي قوات جيش الاحتلال.

ذهبت إلى بيت أحد أقاربي الذين كنت أختبئ عندهم في بعض الأحيان، وأرسلت ساعتي ومبلغًا صغيرًا من المال إلى زوجتي، وطلبت من زوجة قريبي أن تبلغ زوجتي أنني سأسلم نفسي للعدو، بكت تلك المرأة من كل قلبها وهي تتسلم مني الساعة والمبلغ، وكان ذلك في شهر آب عام 1989. ذهبت إلى "العمارة" أي مقر الحكم العسكري في الخليل لتسليم نفسي، وعندما وصلت إلى هناك تم اعتقالي فورًا وصدر أمر ضدي بالاعتقال الإداري مدة ستة أشهر. وفي تلك الفترة اشتهرت والدتي حمدة العامري بلقب "تاتشر" الذي أطلقها عليها المعتقلون حيث كانت تعتني بالأسرى في معتقل الظاهرية بشكل يومي، كما كانت تزورهم وتحضر بشكل دائم أمام المعتقل لتقدم المساعدات وتنقل الرسائل والأخبار بين الأسرى وأهاليهم.

تم نقلي إلى معتقل النقب وفور وصولي تسلمت مهمة شاويش القسم، وكان ذلك يتم بإجماع فصائلي، وكان من بين أهم المقومات لاختيار الأسير لتلك المهمة هو إجادة اللغة العبرية بالإضافة إلى مقومات أخرى أهمها الصلابة وتمتع الأسير بثقة الأسرى به. وفي السادس عشر من تشرين الأول عام 1989 وصلني بريد من رشيد أبو شبّاك والذي كان موجهًا عامًا للمعتقل؛ كان البريد ينقل بواسطة كرة صغيرة يتم إعدادها من لبّ الخبز أو من أي شيء آخر ، وتُرمى الكرة فوق الأسلاك الشائكة إلى الأقسام الأخرى، وكان يلقيها أشخاص معينون متمرّسون، وذلك حتى لا تسقط في الممرات بين الأقسام فتلتقطها قوات الجيش.

تضمنت الرسالة الطلب مني افتعال أزمة مع إدارة المعتقل بالطريقة التي أراها مناسبة، في محاولة لكسر حالة الجمود والرعب التي تفرضها إدارة المعتقل على الأسرى، وبالفعل بدأنا افتعال الفوضى بترديد الأغاني والأهازيج الوطنية، وبصفتي شاويش القسم طلبت مني إدارة المعتقل أن أطلب من المعتقلين أن يصمتوا، وعندما رفضتُ ذلك اعتبرتني الإدارة محرضًا، فتم رشّ المعتقل بالغاز المسيل للدموع، وتم نقلي إلى زنازين العزل في المعتقل ومكثت فيها مدة ثلاثة أيام وبعدها تم نقلي إلى العزل الإنفرادي في قسم "كيلي شيبع" أي السجن رقم "7". مكثت في العزل مدة سبعة وستين يومًا، وبعدها عدت إلى المعتقل الذي كان يضم بشكل أساسي أسرى من قطاع غزة. بعد مرور أسبوع تم نقلي إلى التحقيق في معتقل الظاهرية، وفور وصولي أُبلغت من قبل المخابرات بمنعي من الحديث مع السجّانين واتهمت بمحاولة تجنيد سجّانين للتعاون مع المعتقلين ، إلا أن التهمة لم تثبت ضدي وأُفرج عني في شهر كانون الثاني من عام 1990.

بعد ثلاثة أشهر من خروجي من المعتقل كانت قد اشتدت وتيرة أحداث الإنتفاضة في كافة الأراضي المحتلة وأصبح الاحتلال عاجزًا عن السيطرة عليها، وكنت أُعتبر في نظره من كبار المحرّضين على الإنتفاضة. وفي تلك الفترة اعتقل أخوايَ محمد وعادل بتهمة المشاركة في الإنتفاضة، وأُعيد اعتقالي إداريًا مدة ستة أشهر وكان ذلك في السابع عشر من نيسان عام 1991، تم نقلي إلى سجن النقب الصحراوي، مكثت في المعتقل حوالي سبعة أشهر وأُفرج عني في التاسع عشر من تشرين الثاني عام 1991. وبعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية التحقت عام 1995 بالعمل في الأمن على مرتب الأمن الوقائي الفلسطيني وفي عام 2008 أُحلت إلى التقاعد برتبة عميد.