يواصل مركز ابو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة في جامعة القدس وذلك بالتعاون مع جريدة القدس نشر تجارب عدد من الاسيرات والاسرى المحررين، حيث ينشر بحلقة هذا الاسبوع مقتطفات من تجربة الاسير المحرر باسل دويكات من نابلس .

ولد الأسير المحرر باسل خالد محمد دويكات في قرية بيتا قضاء نابلس في الثامن من نيسان عام 1984، وهو حاليًا طالب في كلية الهندسة يدرس تخصص الحاسوب في جامعة النجاح الوطنية. اعتقل في الثاني عشر من شباط عام 2003 وحُكم عليه بالسجن الفعلي مدة سبع سنوات بالإضافة إلى ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، أُفرج عنه في الثامن والعشرين من نيسان عام 2009، ثم أعيد اعتقاله إداريًا في الرابع من شباط عام 2013 ليمكث في السجن مدة عامين كاملين. يروي الأسير المحرر باسل دويكات لمركز أبو جهاد أبرز المحطات في مسيرته النضالية والاعتقالية.

 

في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة يوم الإثنين الموافق للثاني عشر من شباط عام 2003، والتي صادفت ليلة عيد الأضحى، حاصرت مجموعة كبيرة من قوات الاحتلال الإسرائيلي منزلنا الكائن في قرية بيتا، والذي يقع على مساحة كبيرة من الأرض تبلغ حوالي ثلاثة دونمات، كانوا مدجيين بأعداد هائلة من الآليات العسكرية، وكانت ليلة باردة وعاصفة. بدأوا بطرق الأبواب بأعقاب بنادقهم، ثم قاموا بتحطيم الأبواب وطلبوا من جميع أفراد عائلتي الخروج من المنزل وإحضار بطاقات هوياتهم الشخصية. تشاجر والدي مع الضابط المسؤول احتجاجًا على همجية الجنود. وقد علمت لاحقًا أنهم قاموا بعد اعتقالي بتحطيم محتويات البيت.

طلبوني بشكل شخصي وقاموا بتفتيش البيت، ومن ثم اقتادوني إلى خارج البيت وقاموا بالتحقيق معي ميدانيًا ما يقارب ساعة من الزمن. وقد أخبرني الضابط المسؤول واسمه جلعاد بأن هناك اعترافات ضدي من جهات موثوقة، بعدها وضعوني داخل جيب عسكري وقاموا بضربي بطريقة وحشية. وصلنا إلى معسكر حوارة وقد ألقوني في ساحة المعسكر لأبقى تحت زخات المطر منذ الساعة الثانية صباحًا وحتى الساعة السابعة صباحًا. كان معي عدد لا بأس به من الشبان المعتقلين، كنا نسمع تكبيرات العيد، وقد كان البرد قارسًا في ذلك اليوم. ثم قام جنود الاحتلال بإدخالي إلى غرفة للتوقيف مساحتها ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار، وكان بها ما يقارب ثلاثين شخصًا موقوفًا. مكثت داخل غرفة التوقيف في حوارة مدة يومين، وفي اليوم الثالث قاموا بنقلي إلى مركز التحقيق في بيتاح تكفا.

قام الجنود باقتيادي إلى غرفة تحقيق كان بها سبعة محققين، بدأوا باستجوابي وبتوجيه أسئلة مباشرة وغير مباشىرة؛ منهم من كان يسأل بأدب، ومنهم من كان يتطاول بالكلام، ومنهم من كان يسأل باستهزاء، وقد بقيت صامتًا ولم أتحدث بكلمة واحدة. منهم من قال أنني أنتمي لحركة حماس وأنني "إرهابي"، وكانوا يوجهون أسئلة غريبة، وقد التزمت الصمت طوال الوقت. بعد مرور ما يقارب نصف ساعة جاء إلي ضابط يدعى نيتسر، وسألني "لمَ لا تجيب على أسئلة المحققين؟"، قلت له أنهم لا يلتزمون بأدب الحوار فكلهم يتكلمون ويسألون مع بعضهم البعض، ومن أدب الكلام أن يتكلم كل واحد منهم على حدة.

قاموا بإخراجي من غرفة التحقيق ووضعوني داخل زنزانة بقيت فيها مدة ساعة تقريبًا، ثم أعادوني إلى غرفة التحقيق وقد كان هناك ضابط كبير بالسن اسمه "إلداد" كان هذا الضابط يعرف أخوتي حيث أنه كان قد قام بالتحقيق معهم سابقًا، سألني عن أخوتي فقلت له "لا تسألني عن أحد، اسألني عن نفسي فقط". طلب مني أن أذكر اسمي الرباعي فقلت له "كيف لا تعرف اسمي الرباعي وأنت من أحضرني إلى هنا"، وقد استمر منذ الساعة الحادية عشر ليلًا وحتى الصباح وهو يسأل عن اسمي الرباعي وأنا أجيبه "بطاقة هويتي بحوزتك".

وضعوني داخل إحدى الزنازين المعروفة "بالزنازين الخاصة"، ثم أعادوني إلى الضابط نفسه ولكنهم قاموا بتغيير قيودي، حيث قاموا بشبحي على نافذة الغرفة مدة أربعة أيام، وفي ظهيرة اليوم الخامس أعادوني إلى الزنزانة وبقيت فيها مدة ساعة، وقالوا لي جهز نفسك سنقوم بنقلك، قلت لهم "أنا جاهز". قاموا بتعصيب عينيّ وبتقييد يديّ وقدميّ، ووضعوني داخل كيس من الخيش، وقاموا بحملي إلى الخارج ووضعوني على أرضية الحافلة بين المقاعد. ومع حلول المغرب وصلنا إلى مكان غريب كان به ضجة عالية وأبواب كهربائية، وهناك قاموا بخلع العصبة عن عينيّ وأخرجوني من كيس الخيش. ثم جاء إلي ضابطان أحدهما اسمه عميد والآخر اسمه آفي، وقد أخبراني بأنني موجود داخل مركز تحقيق سرّي وأن عليّ الاعتراف هنا وذلك حتى ينقلوني مباشرة إلى السجن.

أخبرتهما بأنه ليس لدي ما أقوله وأنه إذا كان لدي أي شيء فسأقوله. بعد ذلك قاموا بتجريدي من كافة ملابسي الخارجية والداخلية وقاموا بإعطائي بدلة كحلية اللون، ثم وضعوني داخل زنزانة مساحتها متر مربع، كان بها ضوء خافت، ومرحاض وإبريق به لتر واحد من الماء للشرب والوضوء والاستحمام. قال لي المحققون "أدخل زنزانتك وخذ قليلًا من الراحة وحاول أن تفكر جيدًا حتى تخبرنا بكل شيء". وفي تمام الساعة السادسة والنصف صباحًا اقتادوني إلى غرفة التحقيق، كان بها مكتب صغير وكرسي للمحقق ومقعد خشبي لأجلس عليه، وقاموا بتقييد يديّ بقدميّ إلى الخلف في وضعية يقال لها "الموزة".

تعرضت في هذا المركز لشتى أساليب التعذيب، ومن بينها الضرب والمعاملة المهينة والتقييد بوضعية "الموزة". وقد علمت لاحقًا بأن هذا المركز هو أسوأ مركز تحقيق إسرائيلي واسمه مركز ألف وثلاثمائة وواحد وتسعين "1391"، حيث يتم فيه ضرب المعتقلين وشبحهم بطريقة همجية، فالضرب ممنوع في بيتاح تكفا، ولكنه مسموح في هذا المركز. كانوا يضربوننا على الوجه، وعلى مراكز الأعصاب مثل الكوع والركبة بحيث يسبب الضرب الألم ولا يترك أثرًا. وقد قاموا بتحطيم أسناني الأمامية ففقدت الوعي وقاموا بنقلي إلى المشفى .

جاء إليّ آفي للتفاوض معي، وقام بتهديدي بهدم منزل العائلة، فقلت له "لقد أخبرتكم بكل ما لدي.. اهدموا البيت، لا يوجد لدي ما هو جديد..". مكثت داخل الزنزانة مدة سبعة وثلاثين يومًا، بعدها قاموا بإعطائي ملابسي، ثم قاموا بتقييدي وبتعصيب عينيّ ونقلوني بالحافلة إلى معتقل الجلمة، وهناك تسلّمني شرطي اسمه قصي، كانت وظيفته أن يطلب من الأسير كتابة إفادته، ولم يكن لدي إفادة رسمية، قام بضربي، وقمت بكتابة إفادة بمواضيع اجتماعية بخط يدي.

وضعوني داخل زنزانة "34"، وهي زنزانة سيئة للغاية ومليئة بالمياة العادمة. مكثت بها مدة أربع وعشرين ساعة، وقد كان معي أسير آخر قال لي "سينقلونك اليوم إلى سجن مجدو". نقلوني إلى العيادة أولًا ليتم فحصي مع باقي الأسرى، ومن ثم قاموا بوضعي داخل خيمة كان يقيم فيها أسرى. كانت هذة الخيمة للنوم وكان بجانبها خيمة أخرى لتناول الطعام والشراب وللصلاة، وقد علمت لاحقًا بأنني كنت في غرف للعصافير.

تم نقلي مرة أخرى إلى بيتاح تكفا، وقد أكملت مدة واحد وتسعين يومًا في التحقيق. وهذه المرة كان هناك ضابط جديد اسمه أبو شريف، وهو كما يدّعي مسؤول كبير في الشاباك الإسرائيلي. بعد التحقيق قاموا بنقلي بالبوسطة، وهي حافلة من الحديد بها مقاعد حديدية وأقفاص للكلاب، وهي وسيلة نقل الأسرى بين السجون، ولا يوجد بها أي متنفس سوى فتحات صغيرة حيث أن الأسير لا يرى أي شيء خارجها. تم نقلي إلى سجن الرملة ومكثت هناك مدة خمسة وخمسين يومًا. وبعد ثماني أيام من وجودي هناك ذهبت إلى المحكمة وقد كان هناك قاضٍ واحد، وكان لدي محامٍ اسمه جمال المحاميد، وقد تم تأجيل المحكمة ست مرات.

أعادوني إلى سجن مجدو ومكثت هناك مدة أحد عشر شهرًا. وقد ذهبت إلى المحكمة مرة أخرى وقاموا بمساومتي، وقد تضمنت الصفقة الحكم علي بالسجن ما بين ثمانية عشر عامًا وعشرين عامًا. وبعد مرور عامين على اعتقالي قمت بتوكيل محامٍ آخر هو زكي كمال. في بداية الجلسة حكموا ببراءتي ولكن النيابة استأنفت الحكم وقد قبلت المحكمة الاستئناف وذلك لاستكمال البيانات. وبعد مرور شهرين قامت النيابة بطلب تأجيل جديد من المحكمة، فطلبتُ من المحامي أن يحضر لي لائحة الاتهام مكتوبة باللغة العربية، وقد احتوت اللائحة على اتهامات كاذبة لم يكن بها أي وضوح في تشخيص الموقع الذين يستندون اليه بلائحة الاتهام. طلب المحامي من القاضي تشخيص الموقع المكتوب في لائحة الاتهام حيث أنها كلها أماكن عربية لا يوجد فيها يهود أو جنود أو حتى مستوطنين. أصدر القاضي قرارًا أوليًّا بإسقاط البنود فرفضت النيابة وطالبت بتعديل اللائحة، رفض المحامي ذلك وقام برفع قضية في المحكمة العليا ضد النيابة؟. وقد رفضت المحكمة العليا طلب التعديل المقدم من قبل النيابة حيث أن التعديل لا يوجد به أية معلومة جديدة وبذلك ثبتت المحكمة إسقاط البنود.

حُكم عليّ بالسجن الفعلي مدة سبع سنوات بالإضافة إلى ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ. وبعد مرور ثلاثة أشهر على إصدار الحكم تم نقلي إلى سجن العزل أيلون القريب من الرملة، وهو سجن الوضع به سيء للغاية حيث الحشرات والزواحف والفئران تعيش معنا داخل الزنازين، ويقيم أسير واحد في كل زنزانة، وقد مكثت في العزل مدة أربعة شهور.

بعد ذلك تم نقلي إلى سجن هدريم قسم "3"، وقد مكثت هناك مدة شهر مع العلم أن هذا السجن مخصص للمحكوم عليهم بالسجن لفترات طويلة. ثم نقلت إلى قسم "8" وبقيت فيه مدة ثمانية أشهر. في سجن هدريم يقيم أسيران أو ثلاثة في غرفة واحدة، ومساحة الغرفة حوالي متران في مترين ونصف المتر. يوجد في الغرفة مرحاض أما الحمام فيقع خارجها. بعد ذلك تم نقلي إلى سجن هشارون الذي كان قد افتتح حديثًا، مكثت هناك مدة ثلاثة أشهر. ثم تم نقلي إلى سجن مجدو وبعد مرور عشرين يومًا نُقلت إلى سجن جلبوع ، وقد مكثت هناك ما يقارب السنة. وفي الأول من كانون الثاني عام 2007، والذي يصاف ثاني أيام عيد الأضحى، تم نقلي من جلبوع إلى سجن النقب وقد مكثت هناك حتى تاريخ تحرري من السجن والذي يوافق الثامن والعشرين من نيسان عام 2009.

في الرابع من شباط عام 2013قاموا باعتقالي مرة أخرى وتم نقلي إلى حوارة ومنها إلى سالم ومن ثم إلى مجدو، وقد مكثت في السجن مدة سنتين كاملين حيث كان هناك ملف سري ولم يتم التحقيق معي. وقد شاركت في إضراب الأسرى الإداريين والذي بدأ في الأول من نيسان عام 2014 واستمر مدة أربعة وستين يومًا.
عدت بعد التحرر إلى مقاعد الدراسة وأكمل حاليًا مسيرتي التعليمية في جامعة النجاح. تزوجت في عام 2010 ولدي الآن والحمد لله طفل وطفلة، وقد وُلد طفلي الأول قبل اعتقالي للمرة الثانية أما طفلتي فقد ولدت أثناء وجودي في المعتقل.