المجموعة: أخبار الأسرى

ولد الأسير المحرر بسام حمد موسى الزير في بلدة دورا قضاء الخليل في الثالث والعشرين من تشرين الثاني عام 1964، وهو أب لستة أبناء وست بنات. اعتقل للمرة الأولى في الأول من آذار عام 1982 وحُكِم عليه بالسجن مدة ثلاث سنوات وأُفرج عنه في السادس والعشرين من تشرين الثاني عام 1984. ثم اعتقل بعد ذلك عدة مرات وقد قضى ما يقارب 6 سنوات في سجون الاحتلال. يروي الأسير المحرر بسام الزير لمركز أبو جهاد أبرز المراحل في مسيرته النضالية والاعتقالية.

كان والدي يعمل موظفًا في مديرية الصحة في الخليل، ودرست المرحلة الإلزامية في مدارس دورا إلا أنني ولأسباب اقتصادية التحقت مبكرًا بسوق العمل ولم أكمل الدراسة. كانت أسرتي تعمل بالزراعة حيث كنا نأخذ أراضي على اسلوب "المزارعة" في منطقة "الماجور" والتي كان يقع فيها معسكر المجنونة، وكنا في بعض الأحيان نتسلل إلى داخل المعسكر ونستولي على بعض الذخائر، وبدأت مع مجموعة من أبناء بلدتي نفكر في تشكيل خلية وبتنظيم أنفسنا ذاتيًا كوننا لا نعرف كيفية الاتصال بالثورة.

كان عمري آنذاك حوالي ثمانية عشر عامًا، وبالفعل تشكلت المجموعة وضمت بالإضافة إلي كلًّا من خالد أبو عرقوب وأخي الشهيد جمال الزير. وفي أحد الأيام، وبحكم عملي في المحاجر، استوليت على كمية من البارود وصنعنا منها عبوة ناسفة وفجرناها في عملية تجريبية. ثم قررنا حرق الحافلات التي تقلّ العمال إلى داخل الخط الأخضر. في أحد الأيام كان العمال في الصباح الباكر يستقلون حافلات تابعة لشركة "إيغد" الإسرائيلية، وذهبت حافلة باتجاه طريق السبع، نصبنا لها كمينًا وأوقفناها وأنزلنا العمال منها، وقبل أن نهمّ بإحراقها وصلت إلى المنطقة قوة من الجيش الإسرائيلي فاضطررنا إلى الفرار.

تم اعتقال أخي الأصغر جمال الزير والذي كان في الرابعة عشر من عمره، ولصغر سنه تم انتزاع اعترافات منه بوجود صندوقي ذخيرة، كنت في تلك الفترة أعمل في منطقة عناتا، وقد جاء الجيش إلى المنزل لاعتقالي وأبلغوا والدي بأنه إذا لم يتم إحضاري فسوف يتم اعتقاله. ذهبت في الأول من آذار عام 1982 إلى مقر الحكم العسكري في الخليل وأُدخلت للتحقيق، لم يكن لدي أية خلفية عن التحقيق ولا عن سبب اعتقالي، وفوجئت بأن المحقق يسألني "أتعرف لِمَ قد أحضرناك إلى هنا؟"، قلت "لا"، قال "أحضرناك من أجل أن تغني!"، قلت "لا أعرف الغناء"، قال "بل ستغني".

كان الطقس باردًا جدًا وأوقفني عند باب حمام وطلب مني الوقوف رافعًا يدي، وبعد ساعة تقريبًا حضر المحقق وبرفقته مجندات وقال لي "إنزع ملابسك"، طلبت منه إبعاد المجندات خجلًا إلا أنه انهال علي بالضرب ونزع ملابسي عني، وبعدها وضعني تحت ماسورة تصبّ ماءً باردًا فبدأت أرتجف وتصطك أسناني من من شدة البرد مخرجًة صوتًا بشكل لا إرادي، ضحك المحقق وقال "إنك تستطيع الغناء إذًا".

ثم أدخلني المحقق إلى غرفة بها تدفئة قوية وبعد وقت أعادني إلى المياه الباردة وبقيت على هذه الحالة مدة يومين دون أن أُسأل عن أي مواضيع. وفي اليوم الثالث جاءني مع محققيْن آخريْن وطلبا مني الاعتراف بحيازة رصاص ومواد متفجرة، وبلغني المحقق أن أحد أفراد مجموعتي قد وُجدت بحوزته صناديق ذخيرة وأنه أبلغه بأنه يوجد بحوزتي ملح البارود.

بعد أيام من وجودي في التحقيق اقتادتني قوة كبيرة من الجيش إلى المكان الذي أخفيت فيه كمية من ملح البارود، أخذها الجيش وتم توثيقها بالصور التي أُبرزت ضدي في المحكمة فيما بعد. مكثت في الزنازين مدة خمسة وأربعين يومًا ووجهت لي لائحة اتهام تشمل تنظيم مجموعة، وحيازة ذخائر، ومحاولة حرق حافلة إسرائيلية.

نقلت إلى سجن الخليل وكان هناك العديد من أبناء بلدتي الذين استقبلوني ومنهم عبد المجيد السويطي وأحمد سلهوب وسالم أبو صالح، وقد التزمت من خلالهم بتنظيم حركة فتح، وبعد فترة حكمت عليّ المحكمة العسكرية في رام الله بالسجن الفعلي مدة ثلاث سنوات.

كان التنظيم في السجن قويًا وكان الأسرى يهابونه أكثر مما يهابون عقاب إدارة السجن، وفي تلك الفترة كانت إدارة سجن الخليل تقتاد المعتقلين إلى مقرها وتعتدي عليهم بالضرب، الأمر الذي دفع التنظيمات إلى إصدار تعميم للمعتقلين عبر لجنة التنسيق العليا يطلب من الأسرى أن يردوا فورًا على السجان إذا ما تم الاعتداء على أحدهم. وفي أحد الأيام كان أحد الأسرى قد نادت عليه إدارة السجن للإفراج عنه، وعند وداعه قلت له مازحًا "المرة القادمة تعال إلى السجن بمؤبد بعد أن تقتل جنودًا إسرائيليين".

سمعني السجان وأبلغ الإدارة التي طلبتني بدورها، وكان في الإدارة سجان اسمه "حزان" المعروف بصلافته وبحقده على الأسرى. أحضر معه مجموعة من الجنود وانهالوا علي بالهراوات، كنت أتلقى الضربات بيدي محاولًا حماية رأسي، ضربت الهراوة في إحدى المرات كفّي فالتقطتها وضربت بها السجان حزان على رأسه عدة مرات، حتى سال الدم من رأسه، بعدها انهال كل الجنود علي بالضرب حتى فقدت الوعي تمامًا، ولم أستعده إلا في عيادة الجيش المحاذية للسجن. كان أحد الأسرى ينتظر الإفراج عنه في ذلك اليوم وكان موجودًا في مقر الإدارة وقد شهد حادثة الاعتداء علي، وتوقع أنني قد فارقت الحياة، أبلغ الصليب الأحمر الذي حضر بعد عدة أيام واستفسر عن الحادثة بوجود ضباط من الجيش وحضرت أنا والسجان الذي اعتدى وأدليت بشهادة ضده، إلا أنه تم توجيه لائحة اتهام ضدي ولم يُقدَّم السجان للمحاكمة.

بعد أسبوعين من مكوثي في الزنازين الإنفرداية احتج الأسرى على عزلي وأرجعوا عدة وجبات من الطعام حتى تم إعادتي إلى السجن، وقد أصدر التنظيم تعميمًا لكافة المعتقلين يحيي فيه موقفي، وأذكر أنه تلاه الأسير سالم أبو صالح، ووردت فيه عبارة لا أزال أذكرها "نحيي الزير الذي رد على العدو الصاع صاعين"، لقد رفع ذلك من معنوياتي عاليًا وخفف عني آلام التنكيل والعزل الإنفرادي.

قبل شهر من الإفراج عني قُدمت للمحاكمة بسبب ضرب السجان، وطلبت لي المحكمة حكمًا بالسجن الفعلي مدته ثلاث سنوات، إلا أن المحامي عبد عسلي قد أجل المحاكمة، وأُفرج عني في السادس والعشرين من تشرين الثاني عام 1984. لم أمكث فترة طويلة خارج السجن، فقد ذهبت للتنزه ولزيارة أخ لي كان يعمل في سوبر ماركت داخل الخط الأخضر، وكان أخي يبيت في مكان العمل، وطلب مني المبيت عنده في العمل، وفي الليل داهمتنا مجموعة من المستوطنين اليهود وأطلقت علينا النار وأُصبت بأربع رصاصات في قدمي، اعتقلتني الشرطة الإسرائيلية ووجهت إلي تهمة إطلاق النار على نفسي من سلاح بحوزتي. مكثت في المستشفى أربعة عشر يومًا وكان قد صدر بحقي أمر توقيف، حتى جاء التقرير الطبي ليؤكد بأن الرصاص قد أُطلق عليّ من مسافة ستة أمتار على الأقل، وهذا يعني أن هناك آخرين هم من أطلقوا الرصاص، ثم أُفرج عني.

بعد أيام قليلة من هذه الحادثة جاء موعد المحكمة العسكرية بتهمة الاعتداء على السجان، دخلت إلى المحكمة أتّكئ على عكّازين، وطلب المحامي من القاضي استبدال الحكم بغرامة مالية نظرًا لظروفي الصحية، وقد حكمت المحكمة علي بغرامة مالية مقدارها خمسة آلاف ليرة إسرائيلية ، وكان هذا يعبتر مبلغًا كبيرًا في تلك الأيام، ولم أستطع دفع الغرامة نظرًا لظروفي الاقتصادية، وقد تم استبدالها مرة أخرى بالسجن لفترة ستة أشهر قضيتها جميعها في السجن.

في أواخر عام 1987 اندلعت الإنتفاضة الأولى والتي شهدت أوسع مشاركة جماهيرية عرفتها فلسطين، وفي بداية عام 1990 تم اعتقالي إداريا مدة ثلاثة أشهر، مكثت حوالي أسبوعين في معتقل الظاهرية ثم نقلت إلى معتقل النقب الصحراوي في ظروف اعتقال سيئة جدًا تشح فيها كل مستلزمات الحياة، وبعد أن أمضيت فترة اعتقالي تم تجديد الاعتقال لثلاثة أشهر أُخرى وأُفرج عني في أواخر عام 1990.

خلال الإنتفاضة الثانية وفي الخامس والعشرين من أيلول عام 2003، كنت عائدًا من بلدة الظاهرية إلى دورا وكان بحوزتي مسدسان وحزام ناسف وأربع قنابل، كان ذلك حوالي الساعة الواحدة ليلًا وكنت أقود سيارتي بسرعة هائلة، وفي منطقة "وادي الكلاب" التي تقع بين بلدة دورا وبلدة الظاهرية فوجئت بعدد من سيارات الجيش تغلق الطريق، كانت أضواء السيارات مطفئة، وفجأة سلطوا علي عدة كشافات بإنارة عالية وأطلقوا النار بكثافة على سيارتي، انحرفت سيارتي عن الطريق وتوقفت، ثم نزلت من السيارة رافعًا يدي.

سمعت أحد الضباط يتحدث بالعبرية لشخص عبر جهاز الإرسال ويقول له "وصلت السيارة السوبارو البيضاء"، سأل الشخص "ما اسمه؟"، قال الضابط "بسام الزير"، أجاب "هذا هو". أدركت حينها أنني كنت مُتابَعًا، قام الجنود بتفكيك السيارة ووجدوا المسدسين والحزام الناسف والقنابل. سألني الضابط عن الأسلحة فادعيت أنني لا أعلم عنها شيئًا وأنني كنت في حفلة عرس واتهمته بأنه هو الذي وضعها، تم اقتيادي للتحقيق لكني لم أعترف، إلا أنه تم تقديم شريط مصور في المحكمة ظهرت فيه وأنأ أخبئ الأسلحة في السيارة، وتم توجيه تهمة حيازة أسلحة والاتجار بها، وذلك دون الاعتراف بانتمائي لتنظيم معين، أوكلت المحامية أحلام حداد للدفاع عني وحكمت علي المحكمة العسكرية بالسجن بالفعلي مدة عامين وأُفرج عني في الثامن والعشرين من كانون الأول عام 2004.

بعد أيام قليلة من خروجي من السجن تم اعتقالي لمدة ثلاثة أيام ووجهت لي تهمة بيع أسلحة، تم وضعي قيد الإقامة الجبرية ودفعت كفالة قيمتها ألفا شيكل لضمان حضوري للتوقيع، استمرت الإقامة الجبرية مدة عامين وكنت أوقع في أيام الإثنين والأربعاء من كل أسبوع في مركز شرطة مستوطنة كريات أربع المجاورة لمدينة الخليل.

في الرابع عشر من آذار عام 2007 أعيد اعتقالي إداريًا لمدة أربعة أشهر، تم نقلي في البداية إلى معتقل عصيون ثم إلى سجن عوفر، كانت ظروف الاعتقال صعبة جدًا والأوضاع المعيشية قاسية، لكن الاكثر تأثيرًا على حياة المعتقلين كانت حالة الانقسام السياسي التي انعكست على المعتقلين وحالت دون توحدهم في وجه إدارة السجن. وقد عشت تجربة مريرة سببها فرقة الأسرى، فقد قرر تنظيم الجهاد الإسلامي خوض الإضراب عن الطعام منفردًا احتجاجًا على الأوضاع في السجن، وبعد مرور خمسة أيام التحق به تنظيم الجبهة الشعبية، وبعد مرور ستة عشر يومًا على الإضراب تم إفشاله بنقل الأسرى المضربين وتوزيعهم على السجون.

بعد أن أمضيت الشهور الأربعة وكنت قد جهزت نفسي للخروج من المعتقل فوجئت بتمديد اعتقالي لستة أشهر أخرى، رغم أنني كنت قد حصلت على قرار من المحكمة بعدم التمديد، لكن العدو الصهيوني لا عهد له ولا ميثاق. وبعد أسبوعين من تمديد الاعتقال أصبت بفقدان الوعي وتم نقلي إلى مستشفى العفولة، حيث مكثت فيه مدة شهر، ثم نقلت إلى أحد مستشفيات الرملة ثم إلى مستشفى هداسا، وتبين أن لدي جلطة دماغية ونزيف وذلك من آثار الاعتداء علي بالضرب في معتقل عصيون، تم إدخال أنبوب في ظهري وبقيت في المستشفى حتى خرجت من المعتقل في الحادي عشر من أيلول عام 2008، وذلك بعد أن أمضيت حوالي ثمانية عشر شهرًا في الاعتقال الإداري.