ولد الأسير المحرر ياسر باسل بجاس جودة في مدينة نابلس في الثلاثين من آذار عام 1981. اعتقل في الرابع والعشرين من كانون الأول عام 2006 وحُكِم عليه بالسجن مدة ثماني سنوات وأُفرج عنه في الرابع والعشرين من كانون الأول عام 2014. يروي الأسير المحرر ياسر جودة لمركز أبو جهاد أبرز ما شهده خلال تجربته النضالية والاعتقالية.

 

نشأتُ في قرية عراق التاية قرب نابلس في كنف عائلة مناضلة، حيث كان جدي أسيرًا سابقًا في سجون الاحتلال الصهيوني. وتتكون أسرتي من الوالدين وثمانية أخوة وأخت واحدة. درست حتى الصف الحادي عشر ولم أكمل تعليمي. وفي فجر يوم الأحد الموافق للرابع والعشرين من كانون الأول عام 2006 وفي تمام الساعة الثالثة فجرًا فوجئنا بقوة كبيرة من قوات الاحتلال الإسرائيلي تحاصر المنطقة ومنزلنا، دخلوا إلى بيت عمي الواقع بالقرب من منزلنا وبدأوا بالسؤال عني، ومن ثم اقتحموا المنزل وأخرجوا أهلي جميعهم منه، وقد كنت آخر من خرج من المنزل.

طلبوا منا جميعًا أن نعطيهم بطاقات هوياتنا، وعندما رأوا بطاقة هويتي رفعوا السلاح في وجهي وأخذوني بعيدًا عن الأهل، وقد كان معهم اثنان يرتديان أقنعة تغطي وجوههم، أي أنهما جاسوسان. سألوني "أين السلاح؟"، فقلت "أنا لا أملك أي سلاح"، فقام الجنود بركلي بأقدامهم بطريقة همجية، وضربوني بشدة على رأسي، فجاء الضابط المسؤول ووبخهم بسبب الطريقة الوحشية التي تعاملوا بها. قيدوا يديّ وقدميّ واقتادوني إلى الجيب العسكري المخصص للاعتقال.

اقتادوني الى معسكر حوارة الاعتقالي للتحقيق الأولي، وقد اجتمع حولي عدد كبير من الضباط والجنود الإسرائيليين للتحقيق معي وبدأوا بسؤالي عن الأسلحة وعن وسائل القتال المختلفة، وكنت أقول لهم "ليس لدي أي سلاح، لقد قمتم بتفتيش البيت وما حوله، هل وجدتم أي نوع من الأسلحة؟". وبعد ذلك قاموا بإدخال الشابين المقنّعيْن ليسألوني نفس الأسئلة.
مكثت في معسكر حوارة الاعتقالي مدة ثمانية عشر يومًا، وفي كل ليلة كان يتم استجوابي وأنا أجيب أنه ليس عندي سلاح. ثم تم نقلي إلى مركز بيتاح تكفا للتحقيق، قاموا بوضعي داخل زنزانة لا تتجاوز مساحتها المتر في متر ونصف المتر، وكانت ذات رائحة كريهة، وقد مكثت فيها مدة اثنين وخمسين يومًا، وفي كل يوم من هذة الأيام كانوا يقتادونني في تمام الساعة الثالثة فجرًا للتحقيق اليومي. ضغطوا علي بشتى الوسائل من ضربٍ وإهانات وتعذيبٍ نفسي، وكانوا يقيدونني بالكرسي لساعات، وكان يحقق معي خمسة محقيقين بشكل يومي.

بعد هذا العذاب قاموا بتحويلي، كما قالوا، إلى غرف السجن، ولكنها للأسف كانت غرف العصافير السيئة السمعة، حيث يتحدث العصفور مع الأسير فيظن أنه مناضل وصاحب قضية، ولكنه للأسف إنسان قذر باع ضميرة وشرفه مقابل القليل. مكثت في غرف العصافير مدة عشرين يومًا وبعد ذلك قاموا بنقلي إلى سجن المسكوبية بالقدس، وقد ذقت شتى أنواع العذاب هناك، قاموا بضربي بوحشية، كما كانوا يقومون بشبحي في الحمّام يوميًا، وأخيرًا قاموا بإحضار ملفّي وقد كُتب فيه أنني أنتمي لكتائب شهداء الأقصى وأنني مسؤول عن المجموعة كلها ، وأصدروا لي لائحة اتهام ضدي مكونة من ثلاثين بندًا، وقد أحضروا لي تمديدًا من المحكمة ومن ثم تم نقلي إلى سجن مجدو.


وصلت سجن مجدو في الثامن عشر من آذار عام 2007، وعند دخولي المعتقل بدأ الجنود بتفتيشي بطريقة مستفزة وهو ما يسمى بالتفتيش العاري المذل والمهين للإنسانية. وقد كانت المعاملة سيئة جدًا في هذا السجن، وكان هناك رقابة شديدة على كافة التفاصيل داخل السجن، وكان ممنوع التحرك داخل السجن من قسم إلى آخر بدون ارتداء ملابس الشباص أي الزي الرسمي للأسرى، ويُعاقب كل من يتحرك بدونه.


أقمت في قسم "1" في سجن مجدو، وقد استلمت رتبة تنظيمية حيث كنت مسؤولًا عن إدارة القسم (الجلسات والنظام). وفي أحد الأيام منعوا استعمال الأكواب الزجاجية داخل السجن وعندما وجدوا لدي كوبًا زجاجيًا طلبوا مني البقاء داخل الغرفة عشرة أو الذهاب للزنازين وقد اخترت الزنزانة، حيث كان في الغرفة عشر شبان معاقبين مثلي، وقد دفعت مخالفة مقدارها أربعمائة وخمسون شيكلًا وقد نقلوني خارجًا وذلك لأنني لم أحترم سياستهم التعسفية.


بعد مرور عشرة أشهر على اعتقالي تم السماح لأهلي بالقدوم لزيارتي للمرة الأولى، وذلك بعد ذهابي إلى المحكمة لأكثر من مرة، في رحلة العذاب داخل البوسطة اللعينة. ذهبت إلى المحكمة بعد شهر من وجودي في سجن مجدو، وفي هذة المحكمة تم التأجيل مدة شهرين، وبعد رحلة العذاب الثانية إلى المحكمة تم التأجيل مدة تسعة أشهر، وفي الرحلة الثالثة طلب القضاة أن يُحكم علي بالسجن مدة أربعة وعشرين عامًا، ولكن المحامين طلبوا التخفيض والتأجيل لعدة مرات، وكان يدافع عني المحاميان الحلبي وجواد بولس. بعد ذلك قاموا بتخفيض الحكم حتى أصبحت مدته ثماني سنوات، وذلك بعد سنتين من الاعتقال والجلسات العديدة من المحاكمات ودفع مبالغ عالية للمحامين.

تم نقلي من سجن مجدو إلى النقب وقد كانت رحلة عذاب استمرت لوقت لطويل وتخللتها الإهانات والمعاملة السيئة، قبل الوصول إلى النقب مررنا بمنطقة للمنام تسمى معبار الرملة وذلك في تمام الساعة الثانية عشرة ليلًا، وفي الساعة السابعة صباحًا وضعونا مرة ثانية بالبوسطة ووصلنا سجن النقب في تمام الساعة الثالثة عصرًا. وضعونا داخل غرفة الانتظار وبقينا فيها مدة ثلاث ساعات، حيث قاموا بتوزيعنا على القلاع، فالنقب سجن واسع وهو يعتبر ثلاث سجون بداخل بعضها البعض. مكثت هناك مدة عام ونصف العام ثم أعادوني برحلة عذاب جديدة إلى سجن نفحة ومكثت هناك مدة سبعة أشهر، أعادوني مرة أخرى إلى سجن النقب ومكثت فية مدة سبعة أشهر أخرى.

بسبب وقوفي ضد سياستهم قاموا بنقلي إلى سجن ريمون حيث مكثت فية مدة عامين كاملين، ثم قاموا بإعادتي إلى سجن النقب للمرة الثالثة، وقد وضع مسؤول الإستخبارات شروطًا ليتم استقبالي في النقب وتشمل منعي من مشاركة الأسرى في أي مواضيع سياسية، ومنعي أيضًا من الحصول على أية رتبة تنظيمية ومن أن أكون مسؤولًا عن أية مجموعة، ومنعي كذلك من إصدار أي قرار ضد سياسة السجن. أعادوني إلى مجدو مرة ثانية ومكثت هناك مدة ثمانية أشهر.

في يوم من الأيام قررت إدارة السجن عمل فحص DNA للأسرى فرفضنا ذلك. اقتادونا بالقوة لعمل الفحص الجيني وقد تم قمعنا بالقوة. وتم نقلي للمرة الرابعة إلى سجن النقب حيث وضعوني هذة المرة داخل الكرفانات، وقد حدث صدام كبير مع الأسرى بعد رفضنا إغلاق القسم علينا في وقت باكر، فقاموا بإضرام النار في الكرفانات واندلعت بيننا صدامات عديدة، بعد ذلك تم الاتفاق مع إدارة السجن على أن تبقى الكرفانات مفتوحة حتى الساعة العاشرة ليلًا وبعدها تغلق الكرفانات. كان هناك ظلم شديد في كافة السجون حيث كنا نعاقب بالنزول للزنازين وذلك لأتفه الأسباب.


قبل خروجي من السجن وقعتُ وارتطم رأسي بشدة وتسبب ذلك بنزيف، وقد ثار الشبان داخل السجن لأن الإدارة رفضت معالجتي فقام الشبان بالصدام معهم وبعدها جاؤوا بالطبيب حيث قام بحقني وبتضميد رأسي. بعد مرور يومين أُغمي علي داخل القسم وقامت إدارة السجن بنقلي إلى المشفى بالرملة، أجروا لي صور أشعة وأعطوني دواءً، وقد كنت متعبًا لدرجة كبيرة. طلبت الدخول للحمام لكنهم لم يفكوا قيودي وقد تركوا باب الحمام مفتوحًا، أعادوني إلى معبار الرملة ووضعوني داخل زنزانة مدة أسبوع على الرغم من أن الألم في رأسي كان رهيبًا. وقد أعادوني إلى النقب بعد هذة المعالجة الغريبة.


خضت إضرابات عن الطعام في كافة السجون حيث كنا نرجع الوجبات وذلك بسبب رداءتها، وتتكون الوجبات من الأرز والفاصولياء والنقانق وكانت النفس تأبى أن تتناولها. وكانوا يمنعوننا من استعمال الكانتين كعقاب تتبعه إدارة السجون في كافة المعتقلات. وأود أن أشير إلى غرف السجون فقد كانت أعدادنا كبيرة بحيث لا يوجد متسع داخل الغرف، ويوجد في الغرفة إثنا عشر أسير وفي المقابل يوجد فيها عشرة أسرّة، كما لا يوجد مخدات في الغرف، ودورة المياه داخل الغرفة أما الإستحمام فهو خارج الغرفة .


كان تجري خلال الليل عمليات تفتيش فجائية داخل الغرف، وإذا وجدوا لدينا أي شيء من الممنوعات فإننا كنا نعاقب بالنزول للزنازين. ولم يكن هناك اتصال بالخارج عن طريق الهواتف النقالة فقد كانت يتم مصادرتها وكنا نحصل عليها عن طريق التهريب. الحياة داخل السجون كما لو أننا في القبور حيث نهارنا وليلنا سواء خاصة داخل الزنازين. ولا يوجد سجن أفضل من سجن كلهم سواء، فجميع السجون بها حشرات وحر وبرد، ومأساتنا الكبيرة كانت بمنعنا من زيارة الأهل وذلك لمعاقبتنا.


في يوم الإفراج عني أخرجوني من القسم حوالي الساعة الثانية عشر ظهرًا ووضعوني داخل غرفة مغلقة وبقيت فيها مدة ثلاث ساعات، وقد تشاجرت مع المسؤول وذلك بسبب التوقيع على التسريح فقال لي "سوف تبقى إلى آخر الليل هنا معاقبة لك على عدم التوقيع". خرجت أخيرًا من هذا الظلام إلى الحرية يوم الرابع والعشرين من شهر كانون الأول عام 2014 حيث مكثت ثماني سنوات من القهر في سجون الاحتلال الإسرائيلي. ولدي حاليًا محل صغير لبيع الخضروات والفواكة في مدينة نابلس.