يخوض الأسرى الإداريون وعددهم 140 أسيراً، في هذه المرحلة من كفاح شعبنا ضد المحتل الإسرائيلي داخل المعتقلات، معركة مفصلية ضد تعسف وظلم (الاعتقال الإداري) وضد قرار احتجازهم الغامض بلا تهمة وبلا أجل معلوم لإخلاء سبيلهم، مما يجعل من وجودهم داخل الأسر الإسرائيلي أمراً محفوف بالغموض والخطر، يصنع تفاصيله ضباط المخابرات الإسرائيليين، ومعهم قضاة المحاكم الصورية التي تغلف الإجراء التعسفي بأغلفة قانونية مثيرة للسخرية، وفي مقدمتها توليفة الملف السري الذي يتسبب بإبقاء المعتقل الإداري سنوات طويلة في أسره. إلى ذلك فقد قام مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس بتسليط الضوء على هذا الملف لتعزيز مطالب الأسرى المصرة على التحرر والخلاص من قيد الاعتقال الإداري الظالم والمجحف. وإنجاح معركتهم الراهنة. وذلك من خلال هذا التقرير الذي تحدث فيه كل من الإخوة فهد أبو الحاج مدير عام مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة، وقدوره فارس، رئيس جمعية نادي الأسير، والأستاذ جمال الطويل رئيس بلدية البيرة سابقاً.

تحت شعار "معاً لكسر سياسة الاعتقال الإداري" قرر الأسرى الإداريون خوض معركتهم الحالية، بعد أن ناشدوا المجتمع الفلسطيني وفعالياته الاجتماعية والسياسية مساندتهم الوثيقة، من خلال بيان وصل إلى مركز أبو جهاد نسخة منه، وجاء فيه "يا جماهير شعبنا ومؤسساته الوطنية، إننا إذ نثمن وقفتكم المعهودة والأصيلة التي لمسناها منذ انطلاقة خطواتنا في قضية الاعتقال الإداري، والتي كان لها الأثر الأكبر علينا مما عزز قوتنا، وعزيمتنا وإصرارنا على المضي نحو هدفنا.

 وإننا نعلن عن خطوتنا القادمة، خطوة مقاطعة المحاكم ذات العلاقة بالاعتقال الإداري، بدءاً من يوم 25 تشرين الأول لفضح الوجه القبيح للاحتلال، وسياسة الاعتقال الإداري التي تنتهزها ويسعى لإخفائها في تلك المحاكم الصورية، وإننا على ثقة بمساندتكم في كافة الفعاليات، وفي هذا المقام نتوجه على وجه الخصوص للإخوة في المؤسسات الرسمية والشعبية التي تتحمل مسؤولية الدفاع عن الأسرى ومتابعة قضاياهم، والإخوة المحاميين عموماً، وفي مقدمتهم الإخوة المحاميين من الأراضي المحتلة عام 1948م، لتعزيز خطواتنا هذه بعدم التعامل مع المحاكم الإدارية، سواء كانت محاكم عادية أو علياوختاماً نؤكد لعموم شعبنا أننا ماضون بإذن الله حتى تحقيق ما نصبو إليه لإنهاء سياسة الاعتقال الإداري".

 

 د. فهد أبو الحاج

مدير عام مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس.

إلى ذلك أكد د. فهد أبو الحاج على "أن خطوات الأسرى الإداريين ستبدأ بمقاطعة المحاكم  العسكرية بدرجاتها الثلاثة (التثبيت، الاستئناف، العليا)، موضحاً أن هذه الخطوة سيرافقها إضرابات متقطعة ستكون كل يوم اثنين من كل أسبوع، مضيفا أن هذه الإضرابات قد تتطور لتصبح ثلاثة أيام في الأسبوع، وسيكون ذلك مرهون بتطورات وردود مصلحة سجون الاحتلال.

وأضاف "إن قانون الاعتقال الإداري الذي ورد في القانون الدولي الإنساني، لا يعني أن تحتجز إنسان بالطريقة التي يستخدمها الاحتلال وإنما هي وسيلة وقائية إلا أن إسرائيل وبطريقتها تجاوزت كل القيود التي وضعت على هذا النوع من الاعتقال، حتى بدأت إسرائيل تستخدم هذا النوع للتدخل في الشأن السياسي الفلسطيني فهي اعتقلت العديد من قيادات شعبنا المؤثرة وهذا كان ظاهراً بخصوص بعض القيادات التي كانت تدعو إلى المصالحة الوطنية فهي عملت على تقوضيها من خلال اعتقال قياداتنا، وكشف على أن العديد من المؤسسات الدولية الحقوقية بدأت تعمل وبشكل جدي على وضع حد لهذا النوع من الاعتقال، وتابع أبو الحاج حديثه قائلاً: "ومن الجدير ذكره بأنه يخضع لهذا الاعتقال التعسفي (13) نائبا منتخبا من أعضاء المجلس التشريعي. وهم: حسن يوسف، و محمد النتشة، و محمد طوطح، و أمين سر المجلس التشريعي الدكتور محمود الرمحي، و باسم الزعارير، و ياسر منصور، و أحمد عطون، وحاتم قفيشة، ومحمد إسماعيل الطل، و محمد أبو طير، و عبد الجابر فقها، و نزار رمضان، ومحمد بدر". إلى ذلك أود أن ألقي مزيداً من الضوء على موضوع الاعتقال الإداري من خلال هذا الإيجاز.

 

ما هو الاعتقال الإداري؟

هو اعتقال المواطن الفلسطيني بلا تهمة محددة، ويعتمد قرار الاعتقال على ملف سري وأدلة سرية لا يمكن للمعتقل أو محاميه الاطلاع عليها، ويمكن حسب الأوامر العسكرية الإسرائيلية تجديد أمر الاعتقال الإداري مرات غير محدودة حيث يتم استصدار أمر إداري لفترة أقصاها ستة أشهر في كل أمر اعتقال قابلة للتجديد بالاستئناف.

 إن الاعتقال الإداري إجراء مرتبط بالوضع السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحركة الاحتجاج الفلسطيني على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967م، وهو عقاب وإجراء سياسي يعبر عن سياسة حكومية رسمية لإسرائيل باستخدامها الاعتقال الإداري كعقاب جماعي ضد الفلسطينيين، وهو محظور بهذا الشكل الذي تستخدمه فيه القوات الإسرائيلية في القانون الدولي، فقد تواصل تحويل العديد من الفلسطينيين في الضفة الغربية للاعتقال الإداري ضد شرائح مختلفة من الجمهور الفلسطيني، نشطاء حقوق إنسان، عمال، طلبة جامعيون، محامون، أمهات معتقلين، تجار.

 يقع إصدار أوامر الاعتقال الإداري دون تحديد عدد مرات التجديد للمعتقلين من سكان الضفة الغربية وغزة بيد الحاكم العسكري الإسرائيلي للمنطقة، فيما يقع إصداره ضمن صلاحيات وزير الدفاع الإسرائيلي للمعتقلين من سكان القدس، يمنح القانون الإسرائيلي للقائد العسكري صلاحية إجراء أي تعديلات على الأوامر العسكرية المتعلقة بالاعتقال الإداري بما يتلاءم والضرورة العسكرية دون الأخذ بالحسبان أي معايير دولية لها علاقة بحقوق المعتقلين.

 حيث ترجع القوانين العسكرية الإسرائيلية المتعلقة بأوامر الاعتقال الإداري إلى قانون الطوارئ الانتدابي للعام 1945، ويستند القائد العسكري الإسرائيلي في غالبية حالات الاعتقال الإداري إلى مواد سرية – بموجب التعديل الثاني للأمر بشأن الاعتقال الإداري ( تعليمات الساعة) ( تعديل رقم 2) 1988م ( رقم 1254 بالضفة ورقم 966 بغزة)- وهي بالأساس مواد البينات ضده، والتي تدعي السلطات الإسرائيلية عدم جواز كشفها حفاظا على سلامة مصادر هذه المعلومات، أو لأن كشفها قد يفضح أسلوب الحصول على هذه المواد.

 وقد أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية في حالات عدة جواز إمكانية عدم كشف هذه البينات، وعدم إلزام السلطة باحترام حق المشتبه به بالحصول على إجراءات محاكمة عادلة، بما يعد انتهاكا لحق المعتقل الإداري في إبلاغه بسبب إلقاء القبض عليه فمن حق كل شخص أن يبلغ بسبب إلقاء القبض عليه. وتنص المادة (29) من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" على ما يلي:"يجب إبلاغ كل شخص يقبض عليه بأسباب القبض عليه لدى وقوعه، ويجب إبلاغه على وجه السرعة بأي تهمة تُوجَّه إليه.

 وانتهاك حق المعتقل الإداري في عدم التعرض للقبض عليه أو اعتقاله تعسفيا حيث تنص المادة (19) من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" على أنه "لا يجوز القبض على أحد أو اعتقاله تعسفاً"، وأنه " لا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه". وقد ذكرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن مصطلح " التعسف" لا يعني فقط أن الإجراء "مخالف للقانون"، بل يجب تفسيره تفسيراً أوسع ليتضمن بعض العناصر الأخرى، مثل عدم اللياقة والظلم وعنصر المفاجأة.

يتم محاكمة الفلسطينيين في محاكم عسكرية إسرائيلية لا تراعي أصول المحاكة العادلة المنصوص عليها قانونيا ودوليا والتي تحفظ لهم حقهم في المساواة أمام القانون، والمثول أمام محكمة مختصة ومستقلة وحيادية ومنشأة بحكم القانون، ونظرا لأن الاعتقال الإداري يتم دون محاكمة فعلية مراجعة ملفات الاعتقال الإداري في محكمة رقابة قضائية من قبل قاض عسكري وليس لجنة، وكانت المحكمة تقوم باستدعاء مندوب المخابرات عند بحث كل ملف لعرض البينات السرية بالتفصيل من قبله أمام القاضي في السابق، وتم التنازل عن هذا الإجراء خلال فترة إعادة احتلال الجيش الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية عام 2002م، ويرجع قرار استدعاء ممثل المخابرات من عدمه اليوم للقاضي، وهذا يعني أنه في الغالبية المطلقة من الحالات يقوم القاضي بالاطلاع على ملخص البينات ضد المعتقل وليس كافة المواد السرية، ولا تتاح له الفرصة لمناقشة رجل المخابرات في كيفية حصوله على المعلومات، وكيفية فحصها للتأكد من صحتها.

 تقع جلسات مراجعة الاعتقال الإداري تحت مصنف الجلسات غير العلنية، أي المغلقة، والتي لا يسمح للجمهور أو لأفراد من العائلة حضورها، أي يمثل فقط المحامي، والمعتقل، والقاضي، المدعي العسكري، وممثلو المخابرات في بعض الأحيان مما يشكل حرمانا للمعتقل من حقه في الحصول على محاكمة علنية حيث تكفل المادة (14) من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" الحق في المحاكمة العلنية، باعتبار ذلك عنصراً أساسياً من عناصر المحاكمة العادلة، ويجب أن تكون القاعدة هي إجراء المحاكمة شفوياً وعلنياً، ويجب أن تعلن المحكمة، أياً كان نوعها، المعلومات الخاصة بوقت إجراء المحاكمة ومكانها، ويجوز منع الجمهور وأجهزة الإعلام من حضور جانب من المحاكمة، أو من حضورها كلها، ولكن ذلك يقتصر على ظروف استثنائية (كأنْ يكون الإعلان عن بعض المعلومات الخاصة بالقضية مصدر خطر حقيقي على أمن الدولة) ولأسباب محددة، على نحو ما نصت عليه المادة المذكورة.

 إن المعتقل وعائلته يعتبرون يوم مراجعة قرار الاعتقال الإداري فرصة لرؤية المعتقل والاطمئنان عليه في ظل منع المئات من العائلات من زيارة أقاربهم المعتقلين إداريا، إن عدم السماح للعائلة بحضور جلسات مراجعة قرار الإداري يعني حرمان المعتقل الإداري الممنوع من زيارة العائلة من رؤية أي من أقاربه خلال فترة اعتقاله التي قد تمتد لفترات طويلة وحتى لسنوات.

 

قدوره فارس

رئيس جمعية نادي الأسير الفلسطيني

 

وقال قدوره فارس، رئيس جمعية نادي الأسير الفلسطيني، عن معركة الأسرى الإداريين الحالية، "إن هذا النوع من الاعتقال التعسفي غير الشرعي ومن خلال تجربتنا شُرع من قبل الأجهزة القضائية للاحتلال وما تقوم به هو فقط المصادقة على أمر ضابط المخابرات.وتوقع فارس أن يكون هناك إجراءات تعسفية وقمعية ستقوم بها مصلحة معتقلات الاحتلال ضد الأسرى الإداريين الموزعين على ثلاثة معتقلات وهي: النقب، مجدو، عوفر.

ودعا فارس إلى أن يكون هناك جهدا رسميا وشعبيا لمساندة خطوتهم الهامة والتي ستفضي إلى إنهاء أكثر أنواع الاعتقال ظلما، ولفت فارس إلى أن الإضرابات الفردية التي قام بها الأسرى الإداريون منذ عامين قد أحدثت صدعا في هذا الملف ووجهت الكثير من الانتقادات للاحتلال حول هذا النوع من الاعتقال.

وطالب أيضاً بضرورة تحرك الهيئات والمؤسسات الدولية لمناصرة مطلب الأسرى الإداريين في التحرر من أسرهم، مشيداً بما تم في هذا المضمار في جنوب إفريقيا مؤخراً لمناصرة قضية الأسرى بشكل عام، حيث تم تدشين (حملة دولية لإطلاق سراح القائد مروان البرغوثي والأسرى)

واعتبر فارس أن ما تقوم به إسرائيل لم يعد يشكل خطرا على الفلسطينيين وحدهم بل باتت تشكل خطرا على دول العالم بتكريسها تقاليد فقط تلاءم ما تقوم به العصابات، ويتطلب اليوم أن يتخذ موقف حازم فإصدار البيانات مواقف هامه ولكن إسرائيل لا تحترم أية اتفاقيات ملتزمة بها وبالتالي المطلوب أن لا نحترم ما تفرضه إسرائيل.

 

جمال الطويل

رئيس بلدية البيرة السابق

وعلى نفس الموضوع علق الأستاذ جمال الطويل، رئيس بلدية البيرة السابق، بقوله: "إن أمام الأسرى الإداريين الآن فرصة كبيرة للنجاح في معركتهم الحالية، أقول ذلك انطلاقا من تجربة الأسرى الإداريين في عام 1996م، والتي عرفت حينها بانتفاضة الأسرى الإداريين، عندما كان عددهم يقترب من 900 أسير، ومع انتهاء المواجهة تقلص عددهم ليصبح أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، ولأهمية تلك التجربة سأقوم بعرض أهم مقاطعها التي أرى انه من الممكن أن تكون مفيدة لمعركة الأسرى الإداريين الحالية".

ويتابع الطويل حديثه "بتاريخ 6 آذار 1994م تم تحويلي للاعتقال الإداري، وذلك بعد أن أنهيت ثلاث سنوات اعتقال سابقة، في تلك المرحلة أرتفع عديد الأسرى الإداريين لمستويات قياسية، بسبب عمليات الثأر لاستشهاد (يحيى عياش)، التي تزامنت مع بداية تنفيذ اتفاقية أوسلو.

مما أضطر الأسرى الإداريين في معتقل مجدو وكان يضم العدد الأكبر منهم، إلى دراسة حالتهم وظروفهم بتعمق ومسؤولية، نظراً لتعسف الاحتلال في إجراءات التمديد ورفض الاعتراضات المقدمة من الأسرى للجان الاعتراضات العسكرية، ومواصلتها اعتقال المزيد من الأسرى الإداريين فكان العدد يتخطى حاجز الألف أسير في بعض الشهور،  فتوافق الأسرى على تنفيذ خطوات احتجاجية كانت على النحو الآتي:

1- تشكيل لجنة نضالية مكلفة بالإشراف على تلك المعركة عرفت باسم لجنة الحدث، وكنت منسقاً لها، وكانت مكونة من حماس والجهاد وفتح واليسار الموحد. وقامت هذه اللجنة بكتابة مئات الرسائل الموجهة لجهات الاختصاص الإسرائيلية في المرحلة الأولى، بدءً بوزير جيش الاحتلال إلى المحكمة العليا وأعضاء الكنيست العرب ووزير العدل الإسرائيلي وكان حينها يوسي بيلين، والمستويات القيادية الفلسطينية كافة، ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية وكل من له صلة بالحالة الفلسطينية على مستوى العالم، في اثر ذلك زارنا العديد من الوفود من بينها أعضاء الكنيست وأذكر منهم السيد عزمي بشاره ودودي تسوكر، ومندوبين عن منظمة الصليب الأحمر، لكن ذلك لم يغير من مسار الخطة التي صممت على الأسس التالية:

 

1- مقاطعة محاكم الاحتلال ولجان الاعتراض العسكرية الإسرائيلية.

2- تصعيد الاحتجاجات داخل الخيام والأقسام.

3- إعادة وجبات الطعام بشكل يومي، وصولاً إلى تنفيذ إضراب لمدة يوم واحد.

4- كتابة يافطات باللغتين العبرية والعربية وحملها، بعد الاقتراب من جدار الأسلاك الشائكة المحيطة بالأقسام والخيام. وخاصة في اللحظات التي يزور فيها معتقل مجدو وفود رسمية إسرائيلية أو أجنبية.

5- الوقوف أمام جدار الأسلاك الشائكة المحيطة بالخيام والأقسام بصمت، وأحياناً مع تكبيرات وهتافات منددة بالاعتقال الإداري، ومطالبة بإطلاقنا من قيوده الظالمة.

6- هز أوتاد ولفائف الأسلاك الشائكة، وفي أحيان أخرى قلعها من مكانها.

7- حرق الأبراش في مناسبات محددة.

8- استقالة شواش الأقسام.

8- المساس بسلامة نظام العدد، وإحداث تشويشات محددة عليه.

وفعلاً بدأ الأسرى الإداريون بتنفيذ برنامج المواجهة بعد أن تأكدوا من عدم استجابة إدارة المعتقلات وسلطات الجيش والشاباك الإسرائيلي المسؤول الأول والأخير عن احتجازنا إدارياً، وكانت الخطوة الأولى هي إبلاغ إدارة المعتقل بقرار الأسرى الإداريين بالامتناع عن الخروج إلى المحاكم والاستنكاف عن مقابلة قضاة لجان الاعتراضات العسكرية، ورفض الأسرى في نفس الوقت استلام بلاغات التمديد والتجديد لاعتقالهم داخل أقسامهم وخيامهم من إدارة المعتقل، وبالتالي عدم التوقيع على استلامها، بعد عدة أيام من تنفيذ الخطوة الأولى تم الانتقال إلى الخطوة الثانية وهي إعادة وجبات الطعام، بمعدل وجبة واحدة في اليوم وصولاً إلى إعادة ثلاث وجبات في اليوم، أي إضراب يوم كامل، بعد ذلك قام الأسرى بتنفيذ خطوة جديدة متمثلة بعدم الامتثال لأوامر التعداد الأمني كما كان عليه الحال في الأيام السابقة، أي التلكؤ في الخروج إلى ساحة المعتقل للوقوف أمام شرطة وضباط التعداد الأمني اليومي، وكانت هذه الخطوة من أكثر الخطوات استفزازا لإدارة المعتقل، بعد ذلك انتقل الأسرى لتنفيذ الخطوة الرابعة وهي استقالة شواش الأقسام من مهامهم. بعد ذلك تم تنفيذ خطوة الاقتراب من جدار الأسلاك الشائكة المترافق مع صيحات وتكبيرات الأسرى وهتافاتهم المنددة باعتقالهم التعسفي والمطالبة بإطلاقهم من الأسر فورا، وكانت إدارة المعتقل مع تنفيذنا لأي خطوة من الخطوات المذكورة تقوم بالاستنفار العسكري التام تحسبا لأي طارئ، وكانت تقول لنا بأنها ليست صاحبة صلاحية في أمرنا وإنها عبارة عن أمين مستودع، فإذا طلب منها إطلاق سراح أحدنا فعلت ذلك، وإذا طلب منها مواصلة احتجازه فعلت ذلك، - فالصلاحية والقول لإدارة المعتقل -في أمر اعتقالنا بيد القائد العسكري الذي اصدر أمر الاعتقال، والمحكمة التي تنظر في الاعتراض فقط لا غير، لكن هذا الموقف بالنسبة لنا غير ذي قيمة، لأننا نعرف مضمونه مسبقاً ومعركتنا واحتجاجنا موجه ضد سلطات الشاباك وجيش الاحتلال، لكن إذا لم ننفذ احتجاجنا بهذه الطريقة التي نصطدم فيها مع إدارة المعتقل فان يسمع بنا احد.

فواصلنا معركتنا بل وانتقلنا إلى تنفيذ المزيد من الخطوات المحددة في برنامج المواجهة وتلك التي ابتكرت خلال المعركة، أما إدارة المعتقل فقد ساعدت الأسرى في أمر واحد خلال المعركة، وهو إنها استجابت لمطلبهم، الداعي إلى أنها يجب أن تقوم بإبلاغ الأسير الصادر بحقه قرار تمديد قبل أسبوع من نهاية قرار اعتقاله السابق والممدد عليه، وليس في اللحظة التي ينتهي فيها قرار اعتقاله السابق، وهي اللحظة التي يكون فيها الأسير قد هيأ نفسه معها للخروج من المعتقل، الأمر الذي كان يلحق مزيداً من الضرر في نفسية الأسرى، وهذا المسلك بحد ذاته كان مقصوداً من قبل الشاباك وإدارة المعتقل لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر والأذى في نفسيات ومعنويات الأسرى.

فتعهد مدير معتقل مجدو بأنه سيقوم بإبلاغ الأسرى الممددين بقرارات تمديداتهم قبل أسبوع أو أقل، وفعلا التزم مدير معتقل مجدو بما وعد به.

ذات يوم لم يفعل ذلك فكانت ردة فعل الأسير الذي ابلغ بقرار تمديد اعتقاله في يوم إفراجه بأنه احرق البرش (فرشة النوم) في أحد الأقسام، تمهيداً لمزيد من الحرائق، فتدخلت الإدارة لاحتواء الموقف ووعدت بحل المشكلة، وإبلاغ الأسرى بقرارات تمديداتهم كما اتفق عليه في السابق، أي قبل أسبوع من تاريخ نهاية مدة اعتقالهم السابقة.

 

المواجهات مع إدارة المعتقل.

في أغلب الأحيان كان تنفيذ الأسرى لخطواتهم الاحتجاجية المتفق عليها تنتهي بمواجهات دامية مع إدارة المعتقل، لأنها كانت تعتبر كل ما يقوم به الأسرى هو شكل من أشكال التمرد لذا كانت ترد بالقوة المفرطة ضدهم وكانت تضرب خيامهم وأقسامهم بقنابل الغاز المسيل للدموع، وكان الأسرى يردون عليها بإلقاء الحجارة على الجنود وعلى السيارات المارة في الشارع الرئيس المحاذي للمعتقل. ما كان يتسبب بنشوء تطورين لم يكونا بالحسبان الأول: مشاركة أقسام الأسرى المحكومين بالمعركة، التي ينتقل إليها الصراخ والهتاف ضد إدارة المعتقل، والتطور الثاني: تسبب قنابل الغاز وقنابل الصوت وغير ذلك في حرق العديد من الخيام كما حصل في قسم رقم (5) الذي حرق بالكامل بعد استدعاء إدارة المعتقل لقوات إضافية من الفرق المتخصصة بقمع الأسرى، الذين ألقوا أعداد هائلة من القنابل الغازية والصوتية.

في ضوء ذلك قامت إدارة المعتقل بنقل 150 أسيراً ممن كانت تطلق عليه النواة الصلبة للأسرى الإداريين إلى معتقلي تلموند والدامون، في هذه المرحلة حاول جهاز الشاباك إفراغ الخطوة من قوتها، وبدء يقول للعديد من الأسرى من خلال بعض المحامين الإسرائيليين بأن قضاياكم ليست متشابه، فهناك من له ملف ثقيل ويتسبب له بالتمديد المتواصل، وهناك ملفات صغيرة ولا يستحق أصحابها التمديد أو حتى إكمال فترة اعتقالهم الأولى، لكن ذلك طبعاً لم يفت من عضد المعركة وبقي الموقف على حاله.

نتائج المعركة

في شهر حزيران 1997م، أصبح الوضع في منتهى السوء وضاقت الإدارة بالأسرى ذرعاً، فبدءنا نلمس نوعين من النتائج الأول: توقف أوامر التمديد، الثاني، قبول لجان الاعتراضات العسكرية لاعتراضات الأسرى واكتفائها بالفترة الحالية للاعتقال أي توصي بعدم التمديد، خلال شهور قلقيلية كان عدد الأسرى ينخفض من 100 إلى 850 أسير تقريباً، وفي شهر تموز 1997م تم الإفراج عني بعد امتناع الشاباك عن إصدار أمر اعتقال رابع لي، وقد صرح النائب العام الإسرائيلي في حينها (شوهام) بما يلي: "أنا مقتنع بأن أوامر التمديد تخلو من أي مصوغ منطقي وهي تجاوز للمسموح، ولكن حل المشكلة يجب أن يتم من خلال المحاكم"، وكان هذا القول حسب ما فسره المحامين العرب لنا شبيه بالتراجع عن موقف التمديد، لكن إسرائيل تحتاج إلى مخرج وهو هنا المحاكم، يعني ذلك بأن على الأسرى العودة إلى المحاكم وهناك سيرون سياسة جديدة، وفعلاً هذا ما حصل عاد الأسرى للمحاكم وخلال عام 1998م أفرج عن المئات من الأسرى الإداريين، وهكذا حققوا ما أرادوا بإصرارهم على مطلبهم العنيد بالحصول على الحرية والخلاص من قيود الاعتقال الإداري. إذن أضاف الطويل "ستنجح هذه المعركة المعتمدة بالدرجة الأولى على مقاطعة المحاكم العسكرية للاحتلال، بعد أن ترفد بما يلزمها من دعم شعبي وجماهيري وسياسي رسمي، الأمر الذي سيساعد في عدم إطالة أمدها الزمني وحسمها في وقت قياسي.

جريدة القدس  ص 13

الاحد 3/11/2013