في الحي القديم من رام الله او الحارة التحتا كما يطلق عليها، هناك ولدت في العام 1968 ، وكنت الاخيرة لوالد بعد ثلاث ابناء وثلاث بنات. ولدت لآب سرعان ما غادر الحياة وعرمي لم يتجاوز العاشرة بعد، وكان علي ان اعيش واشاهد امي وهي تكدح في صناعة التطريز والنسيج لكي تربينا وتعلمنا، وهي كانت مدرستي الاولى للانحياز للنضال وللفقراء .

 

و في رام الله التحتا عشت كل طفولتي، وتعلمت في مدرسة عزيز شاهين الحكومية، وهناك اشتركت باولى المظاهرات، لقد كان النصف الثاني من السبيعينات وبداية الثمانينات، حافلا بالكثير من الاحداث الوطنية والتي جعلت المظاهرات والمواجهات مع جيش الاحتلال مسألة مستمرة ودائمه، وهناك ولدت وتبرعمت خياراتي النضالية. وفي سن الرايعة عشر التحقت باتحاد لجان الطلبة الثانويين وفي العام 1985 التحقت في جامعة بيت لحم لدراسة العلوم الاجتماعية، وكنت ممثله عن جبهة العمل في مجلس الطلبة لدورتين متتاليتين ، اعتقلت اثناء الدورة الثانية،، الى ان جاءت اللحظة والتحقت بخلية سرية عسكرية وكانت تتويج لكل ما امنت به من النضال والكفاح والمسلح ضد العدو.

الاعتقال:

في العام 1987 نفذت المجموعة عملية قتل لمستوطن صهيوني في القدس القديمة، بمشاركة الرفاق عامر القواسمي وسامر ابو سير ( تحرروا في صفقة شاليط وتم ابعاد سامر الى غزة). وفي 21/1/1988 تم اعتقالي ليلا من بيت العائلة برام الله، وما ان ادخلوني الي الحافلة الا وانهال الجنود علي بالضرب باعقاب البنادق والشتائم.. رحلة طويلة من حي لآخر قدرت انها كانت حملة اعتقالات واسعة في تلك الليلة، ثم سجن رام الله، وبعدها مركز تحقيق المسكوبية في القدس. تحقيق  لاربعة عشر يوما وتوقيف لمدة شهر في مركز تحقيق المكسوبية ، ثم الى سجن الرملة حيث الاسيرات الفلسطينيات. وهو السجن المركزي الوحيد، وهو سجن للاسيرات الفلسطينيات، والجنائيات الاسرائيليات، ما خلق دائما حالة من التوتر والحياة المضطربة وغير المستقرة للاسيرات الفلسطينيات، ومجال لنضال طويل من اجل الانفصال عن الجنائيات، والاعتراف بنا كجزء من الحركة الوطنية الفلسطينية الاسيرة في مختلف سجون الاحتلال.

لن اخوض الكثير في تفاصيل الحياة في سجن الرملة، فهي سرعان ما ستنتهي في سجن هشارون. وهناك كان  الوضع متوترا سابقا لوصولي السجن، فالانتفاضة الفلسطينية في تصاعد، والاعتقالات كذلك، وبالتالي الصراع مع الجنائيات على اشده من مضايقات واعتداءات. ومع حلول شهر نيسان كانت الامور لا تطاق، لم نكن ننام لا ليلا ولا نهارا، حيث التحرشات بنا ومحاولات الاقتراب من ابواب ونوافذ غرفنا لسكب المياه او الاعتداء على اي اسيرة تقف قريبة . وفي الليل كان موشح الشتائم ذات الطابع العنصري واللااخلاقي تنهال علينا.. اما في غرفة الطعام فكانت المعارك تدور رحاها بالايدي والشتائم. 

قررنا ان نطالب بالانفصال عن الجنائيات والاعتراف بنا كجزء من الحركة الاسيرة الفلسطينية، وهو ما كانت ادارة السجون في  حينه ترفضه. واعلنا الاضراب تلو الاخر عن الطعام وعن الزيارات، وفي شهر ايار ونحن نخوض الاضراب خرجت احدى الاسيرات الى زيارة الاهل لتخبرهم قرارنا بالاضراب عن الطعام والزيارات وتعود، وفي طريق عودتها من الزيارة انهالت عليها الجنائيات بالضرب، ووصلت عندنا للغرفة مهشمة الوجه. كان هذا الحادث الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وقررنا ان لا خروج من الغرف واضراب عن الطعام حتى فصلنا نهائيا عن الجنائيات والاعتراف بنا كأسيرات فلسطينيات سياسيات، امتنعنا عن الخروج بتاتا، فما كان من ادارة السجن الا اضطرت ان تحضر لنا الطعام للغرف، وحتى ان تأخذ النفايات من الغرف، وبدأنا اضراب عن الطعام، متقطع  ولكن تصاعدي وبعد ثلاثة اشهر من الاعتصام بالغرف وبعد الكثير من الاضرابات كان لنا ما شئنا. وتم نقلنا الى سجن هشارون.

اضراب الحرية:

في العام 1995 كان الوضع اصبح لا يحتمل، والصورة قد اتضحت وقضية الاسرى لا تتعدى مسألة "حسن نوايا"، وان ذوي الاحكام العالية، المرضى، الاطفال، والنساء لسنا في عداد " حسن النوايا" ، فقررت الحركة الاسيرة  وللمرة الاولى في تاريخ الحركة الاسيرة خوض اضراب مفتوح عن الطعام لا لتحسين ظروف الاعتقال وانما اضراب سياسي من اجل اطلاق سراح الاسرى وكان موجها للمفاوضيين وليس لادارات السجون، اضراب شعاره " الحرية لاسرى الحرية دون قيد او شرط او تمييز" اي دون التوقيع على عريضة تشجب الارهاب، ودون قيد اي لهؤلاء التي تدعي اسرائيل ان ايدهم ملطخة بالدماء، ودون تمييز اي لمن هم مع او ضد اوسلو. اضراب رفضت الاسيرات التوقف عدنه حتى بعد ان اوقفه الاسرى في السجون بناء على وعودات لم نرضى عنها، وامام مناشدات عالية من الاهل والسجون والقوى الوطنية توقف الاضراب بعد ثلاثة ايام من توقفه بالسجون وبما مجموعة تسعة عشر يوما. في هذا الاضراب توحدت الحركة الاسيرة رغم ما بدأ يعصف بالفلسطينيين من انقسام بفعل اوسلو والهدف كان التحرر من الاسر.

بعد هذه الاضراب تقرر اطلاق سراح الاسيرات، وهذا ما اعتقدناه نحن غير دقيق بفعل متابعتنا الحثيثة والدقيقة لوسائل الاعلام الاسرائيلية ، اما الجانب الفلسطيني كان مقتنعا اننا سنخرج، حضر مروزان البرغوثي، وحضرت فاطمة البرناوي هي اول اسيرة فلسطينية منذ الاحتلال وحينها كانت قائدة للشرطة لنسائية، وغيرهم فقلنا لهم لن يطلقوا سراحنا جميعا ضحكوت علينا وقالوا لا تقلقوا ، قلنا حسنا ، ولكن اعلموا اننا لن نخرج الا جميعنا سويا، ناضلنا سويا من اجل التحرر وسنتحرر سويا.

ما توقعناه حصل، حضر مدير السجن وقال من انادي على اسمها لتجمع اشياءها وتستعد للخروج، نادى الاسماء جميعا الا خمس وهن يندرجن في التصنيف الاسرائيلي" ايدهن ملطخة بالدماء" اي قتل جنود اسرائيليين، حينها قالت الاسيرات لن نخرج دون الخمس وقد كنت احداهن،  وهنا بدات رحلة جديدة ، التصدي لاية محاولات اخراج الاسيرات بالقوة. في العام 1996 كان الفلسطينيين على موعد مع الانتخابات التشريعية الاولى، وتسرب لنا اخبار ان اسرائيل ستحاول اخراج الاسيرات بالقوة ، عقدت غرفة عمليات سريعة بين الاسيرات المفرج عنهن بينما استبعدت الخمس منعا لممارسة اي ضغط، وتقرر التمجع في زنزانتين ورفض الخروج، وحددنا داخليا ان انهاء حصارنا لن يكون بحده الادنى الا بعد انتهاء الانتخابات. فوجئت ادارة السجن بتجمعنا دون ان يدركوا ما حصل، فكان رد الفعل الاولي محاولة قمعنا، قطعوا المياه عن الزنزانتين، ورفضنا اخذ الاكل، ورفضنا الخروج، وقواموا بوضع شادر كبير على الشبابيك حتى لا نرى شيء ، وهددوا بالاقتحام العنيف ، فكان اجابتنا ان خلف الباب تقف الاسيرات الصغيرات . لم يكن يومها الكثير لنأكله، حاول قسم الاسرى المقابل لنا اسمدادنا ببعض الطعام، عن طريق حبل صغير صنعناه من الاقمشه، المياه كانت اصعب شيء، قسمنا الطعام كيفما اتفق فقط وجبة واحدة يوميا، وقسمنا انفسنا الى مناوبات لرصد تحركات الادارة على مدى 24 ساعة في اليوم. حضر المفاوضيين الفلسطينيين لاقناعنا بالعدول  عن موقفنا رفضنا حتى الاستماع لهم، عقدت الانتخابات الفلسطينية وصرح حينها شيمعون بيرس وكان في الحكومة الاسرائيلية ان ملف الاسيرات سيعاد البحث فيه. حينها فككنا الحصار وعدنا للغرف، لنجد ان ادارة السجن قد اغلقت كافة الشبابيك بمزيد من الحديد والصاج الذي يمنع الرؤية ويتيح فقط لبعض الهواء من الدخول.

الى الحرية

صباح 11/2/1997 كنا نعلم مسبقا ان هذه هي النهاية في الاعتقال واليوم هو  التحرر، رغم ان ادراة السجن لم تعلمنا بعد، ولكن تصرفها كان يشي بذلك، فتحت كافة الغرف منذ الصبح وعلى خلاف العادة وبين الطابقين ، وكأنه لم يعد سجن، وثم جاء القرار ان الجميع سيخرج، وعند الظهر بدأت الاجراءات وتسليم الامانات للجميع وتم تقييدنا وركبنا الحافلة، هي دقلئق تفصلنا عن بوابة السجن الى التحرر، ولكن في هذه اللحظة اخبرنا مدير السجن ان هناك دعوة في المحكمة من جماعة اسرائيلية تعترض على اطلاق سراح ثلاث اسيرات اعتقلن بعد اوسلو، فقررنا العودة للسجن حتى يصدر قرار بالافراج عنهن، تعجب كل ضباط السجن ولم يصدقوا اننا نرفض الحرية، قبل منتصف الليل بقليل وكنت اتابع نشرة الاخبار بالعبرية سمعت ان الدعوة ردت فصرخت الى الحرية. وهكذا بعد منتصف الليل تحركنا الى رام الله ووصلناها حوالي الثالثة صباحا، حيث الاهل والاصدقاء جميعا بإنتظارنا.

ما بعد التحرر:

عدت لاستكمال دراستي في الجامعة ، تزوجت من الاسير المحرر والمناضل وسام رفيدي، ولدي ابنتان انمار ودارة، وحصلت على مزيد من التحصيل الاكاديمي ماجستير دراسات المرأة والتنمية والقانون، وماجستير آخر في الديمقراطية وحقوق الانسان واعد الرسالة الثانية حول الاسرى والهوية الوطنية. واعمل محاضرة في جامعة بيرزيت.