نحن الفلسطينيين لدينا مشكلة كبيرة مع التوثيق والتأريخ، فاضراب ال 36 الذي كانت بطولته وبامتياز للفلاح الفلسطيني البسيط، لم يكتب عنه سوى بعض الدراسات التي تعد على اصابع اليد الواحدة، مقارنة بما يستحق، وقياساً بتضحيات الفلسطينيين الجسام، فقد رحل عدد كبير من الذين اسهموا في تسطير هذه المأثرة الفلسطينية، دون توثيق شهاداتهم.

أما نكبة العام 48 تلك المأساة التي ما زالت تداعياتها وانعكاساتها تطحن شعباً بأسره أمام انظار العالم الذي يصر على تسمية نفسه ب " المتحضر"، فإن ما انجزه الباحثون والأكاديميون الفلسطينيون حول هذه المأساة من دراسات وبحوث، كان محدوداً، ولم يرتق الى مستوى المأساة الفردية والجماعية. وظلت الرواية الإسرائيلية التي غزت المكتبات والمؤسسات ودوائر صنع القرار العالمية هي السائدة، ومفادها ان الفلسطينيين رحلوا لانهم جبناء أو خافوا على أعراضهم ولم يجبرهم احد على الرحيل والهجرة، وكأن رحلة الشتات الفلسطيني في العالم هي سياحة بالإرادة والمزاج!! ، إلى أن بادر بعض الباحثين الإسرائيليين الجدد وانتجوا بحوثاً ودراسات شديدة الاهمية كـ "ايلان بابيه"، الذي اثبت بحثياً وبالحقائق والوثائق أن الهجرة الفلسطينية كانت قسرية وبالقوة والعنف والتقتيل والإقتلاع. وأصبحنا نقتبس ما توصلوا اليه ونبني عليه، لننتج رواية متأخرة تاريخيا.

وبالإنتقال إلى تجربة المعتقلين الفلسطينيين، هذه التجربة الملحمية التي جسدت بطولات فردية وجماعية في الإضرابات المفتوحة عن الطعام والتنظيم والتربية والديمقراطية والعلاقات الوطنية وإبداع المؤسسات الداخلية كالصناديق الوطنية الجماعية، فإن ما كتب عنها حتى الآن على أهميته ظل محدوداً بالنظر إلى زخم التجربة وعنفوانها ومراحلها واثرها على التجربة الفلسطينية العامة بمجملها، ومن هنا تنبع أهمية إصدار اللواء جبريل الرجوب الجديد "نفحة يتحدث بعد ثلاثة وثلاثين عاماً"، الذي يوثق ويؤرخ لإضراب نفحة الملحمي الذي تُوّج بالشهداء، لكنه في المحصلة النهائية فتح ثغرة واسعة في جدار الحصار الثقافي والإعلامي الذي فرضته إدارة السجون على الحركة الأسيرة، وكان من ضمن نتائجه أن انتزع الأسرى الموافقة على الإشتراك في الصحف المحلية والعبرية وتثبيت حقهم في ادخال الكتب والمجلات والإصدارات الخارجية.

لقد كُتب هذا الكتاب بقلم المعاناة والألم داخل معتقل نفحة وبأصابع ارهقها الإضراب وبأعصاب الهبها الجوع والحرمان، فخرجت الوثيقة إلى النور مضمخة بدم الشهداء الذين سقطوا في الإضراب، وبعذابات تلك النخبة الكادرية التي تمردت على القيد وصنعت الإنتصار بأمعاء خاوية.

بحث الأخ أبو رامي طويلاً بعد تحرره عن هذه الوثيقة، وطرق أبواب مؤسسات، ليعثر عليها أخيراً في مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة، حيث وصف لي الدكتور فهد أبو الحاج مدير عام المركز كم كانت فرحة أبي رامي غامرة وهو يتحسس كنزه التاريخي، ليبادر إلى طباعته بعد بضعة أسابيع من العثور عليه، من منطلق أن هذه التجربة النضالية هي ليست ملكاً لأصحابها، وانما للحركة الوطنية والشعب الفلسطيني بشكل عام.

وبعد قراءة متمعنة ومتفحصة لهذا الإصدار قد خرجت بالملاحظات والإستخلاصات الآتية لعل في نشرها وتعميمها ما يفيد:

اولا- غياب لغة "الأنا" من الكتاب وحضور لغة الجماعة ال "نحن"، على خلاف ما تضمنته كتب صدرت حول تجارب الإضراب عن الطعام في المعتقلات، وطغى فيها صوت الفرد على الصوت الجماعي.

ثانيا- أنصف الكاتب كل من شارك بالأفكار وصياغة بعض المواقف في التجربة، من خلال توثيق كيفية تبلور الفكرة ومن الذي شارك في بلورتها وتولى متابعة وكتابة حيثياتها وتجسيداتها.

ثالثا- يمثل الكتاب رواية متكاملة لإضراب نفحة في العام 80، والظروف المعيشية والتنظيمية والوطنية التي مهدت لخوض الإضراب، وهو بذلك يؤرخ للتجربة من جميع جوانبها، ويقدم للشعب الفلسطيني والعالم تجربة كفاحية انصهرت فيها الذات في بحر المجموع، في تأكيد أن نجاح أية خطوة نضالية مرهون بالإعداد والتنظيم والإرادة والحس الجماعي والإلتفاف حول الهدف.

رابعا- غياب تام للفئوية الفصائلية، حيث ان دور الفصائل مجتمعة التي كان لها تواجد وتمثيل في معتقل نفحة، قد اعطيت حقها بالإشارة إلى الجهد الذي بذله رموزها وصُناعها.

خامسا- إذا كان إضراب عسقلان في العام 1976، قد أجبر ادارة السجون على الإقرار بأن عجلة التاريخ تتحرك قدما إلى الأمام، وأن التعامل مع الأسرى بمنطق العام 67، هو ضرب من ضروب المستحيل، فإن إضراب نفحة في العام 1980 برهن أن الحركة الأسيرة تستطيع أن ترفع السقف النضالي ليس في المعتقلات فحسب ، وإنما في الوطن بأسره، وانها قادرة على تحريك الشارع واستنفار المؤسسات الإعلامية والحقوقية، وقرع جرس الإنذار داخل أية مؤسسة عالمية تتحدث عن حقوق الانسان.

سادسا- إن معظم الذين خاضوا إضراب نفحة في العام 1980، قد شاركوا في اضراب الجنيد في العام 1984، وان الخبرات المتراكمة انتقلت من تحقيق مطلب الصحيفة الى تحقيق مطلب المذياع والتلفاز، لأن العملية النضالية في تجربة الحركة الأسيرة عبارة عن حلقات متصلة في سلسلة طويلة من الصمود والإنجاز.

سابعا- سجل الكتاب لحالة نوعية من الوعي الحقوقي بخاصة الرد على تقرير ما يسمى بلجنة ايتان، التي وصفها الأسرى بلجنة طمس الحقائق، اذ قاموا بتفنيد هذا التقرير ومناقشته وتكذيبه وفق رؤية حقوقية متقدمة.

ثامنا – ربما يكون هذا الكتاب بمثابة رد غير مباشر على شهادات فردية قدمت حول الإضراب من بعض المشاركين فيه، حين حاولوا وضع رواياتهم في سياقات حبسوها في "قوالب الشخصنة".

تاسعا- تمنيت لو أن الناشر "دار الشروق للنشر والتوزيع" قد صورت بعض اجزاء المخطوطة ووضعتها كملحق للكتاب، لأن ذلك من شأنه إعطاء العمل البعد الوثائقي بالثوب الأصلي.

عاشرا- أن يرصد اللواء الرجوب ريع هذا الكتاب لمركز ابو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة، فلهذه المبادرة رمزية خاصة، لاسيما وأن المركز المذكور قد اضطلع بدور توثيقي وتأريخي لتجربة الحركة الأسيرة بكل مراحلها وتفاصيلها، ودعم المركز هو تشجيع للتوثيق والتأريخ وتعميم الرواية الفلسطينية المرتبطة بتجربة الحركة الأسيرة.

وأخيراً اذا غابت "الأنا" من الكتاب، فلصاحب المبادرة "ابو رامي" حق علينا أن نذكر أنه كان أحد رموز الحركة الأسيرة، وأحد نماذجها النضالية والقيادية في التنظيم والثقافة والصمود، فقد أُعيد إلى الإعتقال بعد بضعة شهور من تحرره في عملية تبادل الأسرى في العام 1985، ثم اعتقل بعد ذلك إداريا وصولاً إلى ابعاده، وأن التجربة التنظيمية والرياضية التي يجسدها اليوم هي في رأيي امتداد لطاقة تفجرت في الإعتقال وما انفكت تتوق للإنجاز، حيث ما زلنا في تجربته الحالية نشم رائحة البرش وعرق المعاناة خلف القضبان. لذلك فإن قراءة الكتاب من الطبيعي أن لا تكون محايدة لأن الكاتب أصلاً هو غير محايد. فهو منحاز للتجربة الجماعية، منحاز لقضية شعبه.

واختم بتوجيه الدعوة لكل المعنيين للمشاركة في حفل اطلاق وتوقيع هذا العمل التأريخي المهم في السابع من الشهر الجاري في رام الله.