القراءة والكتابة في الاعتقال ، حيث زج به شابا صغيرا حرمته الظروف من الدراسة المنتظمة في المدرسة، ليلتحق بوالده في العمل مزارعا يفلح الأرض ويرعى الأغنام. تلقفه في الإعتقال نخبة من الكوادر سابقوا الزمن في تعليمه، إلى أن استكمل المناهج الدراسية الإبتدائية والإعدادية والثانوية، ثم ليتحرر باحثا وكاتبا ويلتحق بالجامعة وصولا إلى الدكتوراه.
لا يمكن لاي ناقد وهو يقرأ للدكتور فهد أبو الحاج أن يتجاوزهذه المعطيات ويتجاهل تلك العلاقة الجدلية بين الذاتي والموضوعي التي صاغت وصقلت شخصيته، ونتاجه البحثي الأكاديمي هذا كأنه نوع من العرفان بالجميل لتجربة ولد من رحمها إنسانا جديدا
فيما ان هذا الإصدار ليس المحاولة الأولى لرد بعض من الجميل، فقد سبق ذلك بمبادرته الرائعة في تأسيس مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة الذي تحول إلى متحف يروي بالصورة والكلمة والتجسيدات الفنية اليدوية والمخطوطة والوثيقة ملحمة وطنية إنسانية انتصر فيها المناضل الفلسطيني على القيد وصاغ قصة حريته خلف القضبان بعرقه ودمه وإبداعه.
 
إن أبا الحاج وقد اختار البحث في التجربة الديمقراطية للمعتقلين الفلسطينيين ، فانه أدرك بوعي أن هذا الجانب لم يعط ما يستحق من اهتمام من قبل الباحثين سوى محاولات قليلة لم يتسن لها الإحاطة بالموضوع، حيث لا أدعي أن الدراسة الجديدة قد انهت هذه المهمة، وإنما في رأيي فتحت لها مزيداً من الدروب، ينبغي على باحثين آخرين البناء على ما أنجزه الباحث.
 
وتكمن أهمية هذا العمل في النقاط الآتية:
 
أولاً- في اختيار الموضوع، وفي الإتيان بجديد من حيث الوثائق والمعطيات والسرد التاريخي، والنفس البحثي الموضوعي بعيدا عن التعصب لتجربة فصيل معين، فهو تناول تجربة شمولية من إنتاج الكل الوطني في الإعتقال دون استثناء وإنْ كان ذلك بنسب متفاوتة حسب حجم الفصيل وتفاعله ومدى استجابته لمتطلبات الواقع.
 
ثانيًا- في إعتماده على مصادر مختلفة ، فقد تناول رواية إدارة السجون وناقشها، ثم استعرض الرواية الوطنية التاريخية للمعتقلين وأبرز جوانبها ومفاصلها.
 
ثالثا- لم يتعامل مع تجربة الإعتقال وكأنها تجربة مغلقة ومقتصرة على الفلسطينيين، بل حاول أن يتلمس أبعادها العالمية من خلال إستهلال بحثه بتقديم تلخيص مقتضب لكتاب ميشيل فوكو " المراقبة والمعاقبة-ولادة السجن" اذ يؤكد فوكو بخصوص تجربة السجن " انه أصبح للشرعيات حوامل جماعية وشعبية وأهداف سياسية واضحة، واشتد الالتباس بين المعارض السياسي والمتهم الجنائي وقد استفادت السلطات طويلا من هذا الإلتباس بحيث سنت قوانين كثيرة ذات طبيعة جنائية موجهة إلى أشكال المعارضة السياسية".
 
رابعًا- التجربة الديمقراطية لا يمكن فصلها عن المخاضات التنظيمية والنضالية والإجتماعية والثقافية والفكرية والعلاقات الوطنية وفن إدارة الصراع مع "إدارة السجون"، ولا يمكن فصلها عن مجمل التجربة الديمقراطية للفصائل الفلسطينية في الخارج، ولا عن الواقع الإعتقالي الملموس بخصوصيته ومتطلباته، الأمر الذي سعى الباحث للإحاطة به ليقرر في النهاية ان التجربة استفادت من كل ذلك، وصولا الى وضع أسسها الخاصة، مستجيبة للحراك والتطور الذي جسده المعتقلون العام تلو الأخر ، ومن محطة الى محطة، الى ان تسنى لهم بلورة ديمقراطيتهم التي من ابرز ملامحها اللوائح والأنظمة الخاصة بكل فصيل واللوائح الوطنية العامة، والمؤتمرات التنظيمية والانتخابات والصحف والمجلات والصندوق الإعتقالي ولجان الحوار وتداول السلطة الخ..
 
خامسا- يهدي أبو الحاج هذا الإصدار الى طلبة مساق الحركة الأسيرة ، حيث بادرت الكلية العصرية الجامعية بقرار من المرحوم المحامي الدكتور حسين الشيوخي الى تثبيت هذا المساق، ليكون دليلاً ومعرِّفا للجيل الشاب بتجربة تشكل أحد أهم تجارب الشعب الفلسطيني بعد اطلاق ثورته المعاصرة.
 
وأبو الحاج الذي يدرس الآن مساق الحركة الاسيرة قد أصاب نجاحا محققا، حينما وفر لطلبته مرجعا مهما، فنحن نكتب ونؤرخ ونوثق لكي تقرأ وتعي وتستوعب الأجيال، تنظر في مرآة الماضي لاستخلاص العبر والبناء على الايجابي واستبعاد السلبي، لاننا أبناء تاريخ ورواد حاضر ومصممون على فتح أبواب المستقبل بمفاتيحنا الحقيقية وليس بمفاتيح صنعوها لنا من وهم او عيدان ثقاب .
 
لعلني في نقاطي سالفة الذكر أكون قد أنصفت الايجابي في البحث، لكن السؤال هل ما أنجز كان مطلقا وكاملا ونهائيا؟ الجواب كلا بكل تأكيد فالمطلق لا يستطيع أن يطاله انسان واي انسان، لذلك هناك بعض القضايا التي كنت آمل لو أن الباحث تنبه لها وعالجها بالشكل التي تستحق ومنها:
 
أولاً - إبراز بعض السلبيات في التجربة كالشلليات التي كانت تصاحب العملية الانتخابية لهذا الفصيل أو ذاك، والتكتلات المناطقية والحرص على حضور الرموز في اللجان القيادية وإغلاق الأبواب جزئيا أو كليا أمام القيادات الشابة الجديدة .
 
ثانيًا- وضع صعوبات وعراقيل أمام انتخاب قيادات لها آراء خاصة وتتبنى أفكارا نقدية للفصيل وتطالب بالتجديد والتحديث والتعددية الداخلية، خشية تعميم أفكارهم وتوجهاتهم من خلال مواقع قيادية .
 
ثالثا- الرقابة التي كانت تفرض على النشر في الصحف والمجلات من قبل القيادات التنظيمية ، من منطلق أن هذا ينسجم أو لا ينسجم مع رؤية اوطروحات الفصيل.
 
رابعًا – إجراء مقارنة بين لوائح الفصائل المختلفة ، لمعرفة أين نقاط الالتقاء والاختلاف والتميز، وما الذي كان يميز تجربة فتح عن الشعبية، أو الشعبية عن حماس والعكس صحيح.
 
خامسا- لم تحظ التجربة الديمقراطية للمناضلات الفلسطينيات المعتقلات بما تستحق من توثيق وتأريخ، ويكفي الإشارة إلى أن قمة الديمقراطية والجماعية قد تجلت عندما رفضت المعتقلات الفلسطينيات في العام 1995 الإفراج عنهن، عندما حاولت سلطات الاحتلال التحفظ على بعضهن وإبقائهن في الإعتقال. وتوحد الموقف تحت شعار كلنا مناضلات ومن حقنا التحرر دون تمييز، إلى أن نجحن في تحقيق ذلك، وقد اتخذ هذا الموقف الجماعي إستنادا إلى روح عامة مشبعة بالجماعية والديمقراطية، حيث لا حقوق للجماعة إذا ما شكلت مساسا بحقوق الفرد.
 
سادسا- كنت أتوقع أن لا يبرز الباحث الأنظمة ولوائح العقوبات دون تعليق أو نقد لبعض العقوبات التي كانت تقمع الجماعة الفرد بأوامر وقوانين افعل ولا تفعل. وقد تعرضت لهذا شخصيا بكثير من الأمثلة في كتابي علاقة الفرد بالجماعة في تجربة المعتقلين الفلسطينيين .
 
وأخيرا فان هذا الإصدار يستحق ان نحتفي به ونعمم مضمونه لانه يسلط الضوء على صفحة مشرقة من تجاربنا المعاصرة،حيث نجح المعتقلون في تبديد عتمة الاعتقال بإبداعات مارسوا من خلالها حريتهم حتى وهم يرسفون في الأغلال، كانوا أحرارا رغما عن السجان الذي ظن أنه ممسك بأعناق حريات المعتقلين ، وإذا به يطبق بيدين خشبيتين على عنق حريته، بعد أن عاند وناطح حركة التاريخ والقوانين الاجتماعية والإنسانية .
 
 
فهد أبو الحاج في تجربته المثمرة في الأسر، وفي قصة نجاحه في مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة، وفي هذا الإصدار الجديد، أكد انه عبأ رئتيه بهواء الحرية مستندا إلى عنفوان أسير أشبع قلمه من مداد المعاناة والألم والحلم أيضا.